التأمل نبض الحياة

لقد دعانا الله جل جلاله في كتابه العظيم ” القرآن الكريم ” إلى التأمل،

والتفكر، والتبصر، والتدبر، والتعقل في آيات الله في الكون، والحياة،

والوجود، وأن نتعلم مما يدور حولنا ويجري أمامنا من أحداث هي

دروس فيها العظة والعبرة.

فالتأمل هو نبض الحياة، وإذا توقف الإنسان عن التأمل . . توقفت

نبضات حياته عن العمل، وفقد معنى كل شيء جميل يستطيع أن

يشعر به، ويتفاعل معه كيانه كله، ثمرة لتأمله، فتصبح أيامه هباء

ولحظات عمره سُدى.

إننا لا نريد أجساداً تأكل وتشرب بلا تأمل ولا تعمل، وإنما نريد

عقولاً تتأمل وتفكر في خلق الله . . وعظمة الله . . وقدرة الله . .

فتثمر لنا الخير بأمر الله، وقلوباً تنبض بحب الله فتزرع لنا

الجمال في الأرض بفضل الله.

إننا لا نريد أناساً تغلق على نفسها الأبواب لكي تقيم الشعائر

والعبادات فقط، وإنما نريد أناساً تؤمن بالله وتحب الله . .

وتعبد الله . . وتعمل لله . . وتتأمل في عظمة الله وآيات صنعه

وخلقه . . وتتفكر في آفاق الوجود بأكمله فتنتج لنا الرخاء والخير،

وتبين لنا ثمار تأملاتها، فتعم الفائدة على الجميع.

لقد أودع الله سبحانه وتعالى من الأسرار الخفية في القلب ما

يكشف حقيقة الإنسان، والسبيل الذي يسلكه، فهو جهاز شفاف

نوراني زود الله به الإنسان ليميز به بين الحق والباطل، ويفرق

به بين الصواب والخطأ، ويوضح له طريق الهدى من طريق الضلال.

والقلب الإنساني الذي يملؤه حب الله ويسكنه نـور الله ويشغله ذكر

الله . . هذا القلب النوراني يدعو الإنسان دائمـاً إلى التأمل، ويقوده

إلى التفكر، ويعلمه التدبر، ويحثه على التبصر في كل شيء من

حوله، صغيراً كان أم كبيراً ، مرشداً وموجهاً له بضرورة الإخلاص

وأهمية الصدق والصفاء في تأملاته، فيمنُّ الله على هذا القلب

النوراني بفتح أبواب له على طريق الفكر والتأمل، فيهديه إلى سبيل الله.

قال تعالى : {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين}

[العنكبوت:69]

فالتأمل هو نبض الحياة .. هو الحب .. هو الإيمان .. هو المعرفة ..

فالحب يولد الرغبة في المعرفة . . فإذا عرفت تأملت، وإذا تأملت

اقتربت، وإذا اقتربت أحسست بنبض الحياة، وقيمتها، وحلاوتها

فازددت إيماناً وقرباً وحباً للخالق المبدع الذي أحسن صنع كل شيء،

رب العالمين، رب العرش العظيم.

تأمل في عظمة خلق الله التـي تشهدها، في الجبال والأودية، انظر

كيف أقامها الله رواسي شامخات، وجعل فيها على الرغم من جمود

شكلها الخير الكثير للإنسان من معادن وأحجار وخلافه.

تأمل عند أدائك العمرة أو الحج في ملابس إحرامك البسيطة التي

ابتعدت بها عن زخرف الحياة طاعة لله وحده، أليس فيها ما يذكرك

ببدايتك، ولدت عارياً فكساك الله من خير، وعندما تموت لن تلف إلا

بكفن يشبه هذه الملابس . . . أليس في تأملك عظة وعبرة.

ماذا تساوي حياتك دون طاعة الله وحب الله . . . لن تأخذ معك في

قبرك شيئاً سوى أعمالك هذه، وطاعتك هذه، وكمـا قـال رسـول الله r :

{ إذا مات ابن آدم انقطع عمله من الدنيا إلا من ثلاث: صدقة جارية،

أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له}.

كيف تكون الصدقة إلا بطاعة الله . . وكيف يكون العلم نافعاً إلا أن

يكون في خدمة دين الله ، وكيف يوجد الولد الصالح إلا إذا نشأ في

طاعة الله مع أبوين يطيعان الله.

تأمل في شهيقك وزفيرك، الفرق بينهما لحظات قد يمن الله بها

عليك فتبقى حياً، أو يمنعها الله عنك فتصبح بين يديه الكريمتين.

فماذا قدمت لغدك عند الله – أموالك فيما أنفقتها؟ عمرك فيما أفنيته؟

صحتك فيما أبليتها؟

تأمل في عظمة الكون حولك. . في دقة هذا الكون. . في جماله . .

الشمس والقمر والكواكب والنجوم كلها تسير في نظام دقيق . . لو اختل

بمقدار سنتيمتر واحد لاحترق كل شيء واختفت الأرض بمن عليها.

فمن الذي أحكم صنع هذا ؟ تأمل . . . وتأمل . . . وتأمل.

نعم لا تحصى . . وأشياء لا تُعد . . ولو أردنا أن نحصي ما هو جدير بالتأمل

الوجداني والفكري للمؤمن فلن يكفيه ملء الأرض من صفحات وسطور.

إلا أنها مجرد دعوة لك . . أن تتأمل في خلق الله . . متذكراً أن

البشرية كلها تقدمت للأمام بالتأمل والتفكر في أشياء خلقها الله،

وإن كان التقدم التكنولوجي والعلمي جاء نتيجة تفكير وتأمل من

بشر بعضه مؤمن وبعضه غير مؤمن . . فنحن المسلمون أولى

الناس بالتفكر والتدبر، وأولى الناس بأن نكون في مقدمة العلماء

والمفكرين.

قال تعالى : { إنما يخشى الله من عباده العلماء} [فاطر:28]

وطالما أننا نسلك طريق الله مجاهدين مجتهدين، باحثين متأملين

في صنع الله . . . وآيات الله . . . وقدرة الله . . . وعظمة الله . . .

آملين في عون الله فمما لا شك فيه أن الله سيهدينا إلى سبله

بسلطان منه هو وحده، وبأمره هو وحده إلى اكتشاف الجديد

في آفاق الكون والحياة والوجود مما يعود على البشرية كلها

بالخير والنفع يزيدنا وينيرنا الإيمان به وحده، فيمن الله علينا

ببركات وخير من السماء والأرض هو رزق الله .. وهبة الله . . .

ومنته تعالى إلى عباده الصالحين.

وكما أن الإيمان هو نور الحياة

فإن التأمل هو نبض الحيــــــاة.