الدعاء والعناية الالهية

ما من شك فى أن عالم الاطلاق انما هو عالم الألوهية، أما عالم الانسان فانه عالم الحدود والقيود، بيد أن حدود الانسان الدينية وتكاليفه التى أوجبها الله عليه ا نما هى حدود من أجل رقيه وكماله، وكلما التزم الانسان ما أحبه الله منه، كلما كان سائرا نحو الكمال والصفاء والطهر.

من نعم الله الكبرى علينا أن دعانا الى التأمل والتدبر والتبصر والتفكر.

فان التأمل فى عظمة الله يثمر التدبر فى آيات الله فى الكون، والتبصر فى كل شىء فى أنفسنا ومن حولنا ينطق بقدرة الله وقوة الله، وعظمة الله، والتفكر فى كل ذلك يزيدنا ايمانا منه سبحانه وحبا له وخشوعا منه فنتقى الله فى كل شىء، ونراقب أنفسنا فى كل فعل من أفعالنا ونعرف ونوقن بأن الله يرى ويسمع والعمل الصالح يرفعه ويجزى عنه أحسن ا لجزاء… فيصبح لجوؤنا اليه وحده وتضرعنا اليه سبحانه واستعانتنا به مطلقة.

والتفكر والتأمل يقودان دائما الى زيادة الايمان وتعميق حب الله فى القلوب مما يثمر العمل الصالح، فان العمل الصالح هو ثمرة العلم النافع الذى هو ثمرة التفكر.

والتأمل فى القرآن غذاء روحى فى حياة الانسان، فهو تحديق نظر القلب الى معانيه وجمع الفكر على تدبره وتعقله وهو المقصود بانزاله لا مجرد تلاوته بلا فهم ولا تدبر.

قال الله تعالى:

( كتاب أنزلناه اليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب)        ( ص)

( أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها)     ( محمد)

( أفلم يدبروا القول أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين)       ( المؤمنون )

ولقد وجهنا الله عز وجل فى كتابه العظيم ” القرآن الكريم ” فى الكثير من آياته الكريمة الى أهمية الدعاء وحقيقته ومنزلته … مما أثمر عن الأمر الالهى الى عباده بالدعاء.

واذا تأملنا فى جوهر الدعاء نجده أنه مرتبط بالعطاء الربانى والعناية الالهية وممتزج بلمسات من الحنان اللالهى.

وما أمرك سبحانه وتعالى بالدعاء الا ليفيض عليك بالعطاء.

( … ادعونى أستجب لكم …)  ( غافر)

وعطاء الله … عطاء ممدود لا ينتهى ولا يقف عند حد. فهو عطاء أكرم الأكرمين سبحانه.

شاء رب العالمين أن يخلق معجزاته…  من العدم الى الدخان الى الماء الى بلايين النجوم الى قطعة الصلصال الى الخلية الحية الى مخلوق يكتشف الكون ويبحث فى السماء ويعرف الحب ويسعى لعطاء خالقه.

أى قدرة من الله…  وأى حب للانسان.

يقول العارفون بالله:

( ذكرنا الله قبل أن نذكره، وعرفنا قبل أن نعرفه، وأعطانا قبل أن نسأله، ورحمنا قبل أن نتضرع اليه. فكيف نسمح لقلوبنا أن يكون فيها سواه)

يجد العارفون بالله أن الحب قانون حاكم فى الوجود، ويرون أن عطاء الله سبب فى ميلاد الكون والانسان، ويحسون أن رحمة الله نسيج يشف به ثوب الكون على رحابته وجلاله، وهم يرون أن الله قد خلقنا ليتفضل علينا بحبه …  وخلقنا ليتفضل علينا مرة ثانية بأن يسمح لنا بحبه.

( يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم على دينه فسوف يأتى الله بقوم يحبنهم ويحبونه…)

( المائدة )

ان قانون الحب الأعلى هو العطاء

واذا كان الحب عطاء، فان الله هو المعطى وحده فى الحقيقة.

يعطى الله تبارك وتعالى للعبد كل شىء، ابتداء من نعمة الخلق من عدم وانتهاء بنعمة القبول والادخال فى الرحمة، ماذا يعطى العبد لله تعالى مقابل ذلك؟ ماذا تستطيع أنت كانسان أن تعطى الله…  لا شىء على الاطلاق.

لو أنفق الانسان كل ماله فى سبيل الله، فانه لا يعطى الله شيئا لأن المال مال الله الذى استأمنك عليه وأودعه عندك، ولو مزق المرء جسده آلاف الشظايا فى سبيل الله فانه لا يعطى الله شيئا لأن الجسد ملك الله الذى سخره لك، ولو ناءت روحك تحت أثقال العذاب فى سبيل الله، فانك لاتعطى الله شيئا…  أنت وما تملك ملك لله أصلا، ولا يقال لمن يرد الوديعة للمالك الأصلى أنه يعطيه.

واذن فالله سبحانه هوا لذى يعطى وحده، ولا أحد سواه…  وبرغم ذلك…  نرى الكريم العظيم يقبل من الناس الشكر بدلا من العطاء، ويجعله- رحمة منه – سببا فى زيادة العطاء.

( واذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم…)    ( ابراهيم )

ودائما حب الله يقود القلب الانسانى والعقل ليتفكر ويتدبر فى باطن المعانى والأمر الالهى مما يثمر العمل الصالح وطاعة الله بحب وصفاء وخشوع مرضاة لله وتقربا اليه وحده.

وللنفس وقفة فى لحظات من التأمل مصحوبة بالايمان ممتزجة بالحب حول الدعاء وأثره فى الحياة.