الطمع وكيفية التخلص منه؟


د. ناهـد الخراشي
الكاتبة والمحاضرة في العلوم الإنسانية
عضو الهيئة الإستشارية العليا
مجلس علماء ومبدعي مصر والعرب


       تميل النفس الانسانية بطبيعتها إلي الطمع، وتصديق الأمور الوهمية التي تستحوذ عليها فتحيا حياة خالية من كل حق وصدق لأنها تتبع الظن ، وتنزع الي الهوي الذي هو دليل الانحراف لأنه ضد الفطرة السليمة (إن يتبعون الا الظن وما تهوي الأنفس) (النجم:23)
       ولذلك فإن العارفين بالله يدأبون علي التخلص من الطمع وتصديق الظنون ، ويجتهد اصحاب الحق في أن تكون هممهم مع الحق ،بعيدة عن الأوهام والأماني الكاذبة ، فلا يلجأون الا لله ولا يتوكلون إلا عليه .
 
       وإذا تخلص الانسان من الطمع فرغ قلبه لله، عاش حياة الحرية ، وامتلأ قلبه بها، فتحرر من كل شيء ولم تعد الدنيا وزخارفها تشغل قلبه، اذ يري لذته الحقة في القناعة مع الله .
 
       إن العبودية الحقة.. هي المتوجهة دوما لله تعالي العاملة له علي الحقيقة العارفة بمقامها علي الإستمرار ، السائرة في رحابه علي الدوام لا تطمع إلا في رحمته، ولا تقنع إلا بقربته.
 
       والقلب السليم لا يقبل علي الطمع ، وانما يقبل بكامل حريته علي الله لأنه يعرف أنه المحسن علي الدوام  .. السخي علي الاستمرار . اما القلب المريض يتعلق بأحبال واهية في عالم متوهم فيختار الأدني المتهالك ويترك الخير الدائم.
 
إلا أن هناك نوعا من الطمع المحمود، هو طمع في عفو الله وتجاوزه تعالي عن السيئات، وعما اقترف العبد من الهفوات وعندما يأتي يوم الحساب، وهو طمع المؤمن الصادق في رحمة الله الكبري ومغفرته (والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين)(الشعراء: 82)
 
       وعلاج الطمع يكمن في الشعور بالرضا ، والقناعة بكل ما يأتي من عند الله وان هذا هو رزق الله الذي قدره لعبده، فلا تنجرف به شهوة الطمع التي تبعده عن سبيل الله فلا يرضي ولا يقنع وتتحول النفس الي نفس جشعة طامعة غارقة في الملذات والشهوارت مفتقدة سبيل الحياة الآمنة المطمئنة فينتابها القلق والفزع والكرب ، وتصبح الدنيا عنده ما ملأ جيبه وليس ما يقدمه من أعمال صالحات طمعا في رحمة الله وعفوه ورضاه.
 
       والذكر من السبل التي تساعد الانسان علي التخلص من آفة الطمع وسعي الانسان بتخلية نفسه من هذا المرض القلبي بالتحلي بالصفة المضادة لذلك وهو الشعور وسعيه إلي الرضا والقناعة ، كما أن الصدقة من السبل التي تحرره من الطمع وأن يعرف أن هناك من الفقراء والمساكين الذين يحتاجون الي مساعدته وكرمه.
 
ونصيحتي إلي كل أب وأم مراعاة ألا يربون الابناء علي الطمع والآسراف في الملذات ولا بد أن يكونا قدوة أمامهم في أن كل شيء بقدر وحساب ، وتوجيههم بأن الطمع من المساؤيء التي تقود الانسان الي الأنانية والغرور وعدم التعاطف مع الفقير والمسكين مما يشعره عند كبره بالقلق والتوتر النفسي الذي يحتاج الي علاج.
 
ونحن في يدنا أن ننجي أنفسنا وأبناءنا من سبيل الأمراض النفسية ونغرس في قلوبهم الحب والإيثار والتعاطف مع الفقراء والمساكين وأن نبتعد عن حب الذات الذي يقودنا الي الطمع مما يوقعنا في التهلكة والبعد عن طريق الله.