صفات النفس و أوصافها

صفات النفس وأوصافها

د. ناهد الخراشي

الكاتبة/د. ناهد الخراشى
كاتبة وعضو اتحاد الكتاب
استشاري تدريب و علوم سلوكية و اجتماعية
خبيرة الصحة النفسية
لايف كوتش
المستشار الثقافي للإتحاد العربي لحقوق الملكية الفكرية

 

 

لا شك أن كل فرد يسعي لتحقيق الإطمئنان والأمن النفسي في حياته، ولتحقيق الأمن النفسى كان لابد من معرفة النفس الإنسانية وما تمر به من أحوال وصفات وأوصاف وسمات معرفية واسعة.

ولقد عنى القرآن الكريم بالنفس البشرية عناية شاملة تمنح الإنسان معرفة صحيحة عن النفس دون أن ينال ذلك من وحدة الكيان الإنسانى أو رفع طاقة من الطاقات على حساب طاقة أخرى.

وكان من الإعجاز القرآنى فى عنايته بالنفس فى أنه لم يترك زاوية من زوايا النفس أو جانبا من جوانبها إلا وتعرض لها.

ووجوه هذا الإعجاز كثيرة فمنها:

1- ذكر النفس وما تتعرض له من وساوس وهواجس وأحاسيس من فرح وحزن ووحشة
وأنس وانقباض وارتجاف واطمئنان وقلق واضطراب.
2- أرشدنا إلى أدواء وأمراض وعلل النفس وألوان قصورها وأدلة قوتها ونشاطها
وكمالاتها، وآفاتها والمعالجة الإسلامية لهذه الآفات مثل:
الرياء، الكبر، الغرور، الحقد، الحسد، الوسوسة، الغضب، النسيان، اليأس، ….الخ.
3- يبين لنا القرآن الكريم صفات النفس التى ترتكز فى :
الضعف، البخل، الشهوة والجهل.

1) الضعف:

الضعف من مكونات الإنسان
( وخلق الانسان ضعيفا)
2) البخل:

النفس الإنسانية خلقت من عناصر تتفق مع بعضها البعض، وتختلف فى أحيان أخرى,
فعلاوة على الضعف الترابى فهناك البخل الذى لا يدل على المعرفة، والذى يتصف بأوصاف مذمومة.

( ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم)

3) الشهوة:

وفى جبلة النفس ترتكب ثالث أكبر التراكيب فسادا عندما يكون تابعا للنفس وحظوظها وأهوائها أو وهو الشهوة.

( زين للناس حب الشهوات )

4) الجهل:

أما الصفة الرابعة التى يتصف بها الإنسان، الجهل ، ولقد اقتضت مشيئة الله تعالى أن يكون الإنسان جهولا لحكمة يعلمها سبحانه حتى يحض الإنسان على المجاهدة ويدفعه إلى سلوك طريق العلم والمعرفة.
فلو فطر الإنسان عالما بالله ما كابد ولاجاهد، بل أصبح ملائكيا لا يعرف إلا الخير والفضيلة، ولا يعبد إلا الله على الحقيقة، ولا يسجد إلا له تعالى.

( وحملها الإنسان أنه كان ظلوما جهولا)

كما أن للنفس صفات فطرية تعتبر من تركيبتها الأولى فإن لها أوصافا تعرف بها وأشكالا تتشكل بها وأمانى شيطانية تمضى إليها، ومظاهر لا تستطيع منها خلاصا إلا بالمشيئة الإلهية, وهى الأوصاف التى تتميز بها النفس الإنسانية إنما هى ابتلاء وعلى الإنسان أن يجاهد فى سبيل الله بالإخلاص فى النية والصدق فى القول والعمل ومحاسبة النفس حتى تتخلص من هذه الأوصاف المذمومة, وهذه الأوصاف تتركز فى إدعاء الربوبية، حب المدح، أخلاق الشياطين والبهيمية.

1- إدعاء الربوبية:
تميل النفس إلى التكبرو التبختر وهو حب التعاظم وعدم الخضوع للحق عنادا وعدم قبوله ترفعا عنه كما فى قوله تعالى:
( استكبارا فى الأرض ومكر السيىء)

وقد ادعى فرعون بالربوبية كما جاء فى قوله تعالى:
( قال أمنتم له قبل أن آذن لكم)

2- حب المدح:
كما تميل النفس بحكم طبيعتها إلى المدح والثناء، وترفض النقد والفضح، وذلك لتتصف بالعظمة والكمالات كما تحب المجد والغنى وتكره التواضع والفقر، وهذا نوع من الاعتزاز يتصف به الشياطين , ويقول الحق تعالى فى ذلك:

( وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور)

3- أخلاق الشياطين:
كما أن من أوصاف النفس الأخلاق الشيطانية، وهى تتمثل فى: الخداع والغش، والحقد والحسد، والحيلة والغيرة، والغيبة والنميمة، وسوء الظن وحب الأذى… وهذه الأخلاق قد ابتليت بها النفس الأمارة بالسوء وأصبحت فطرة فيها، وجبلة فى طبيعتها:
( وإن يدعون إلا شيطانا مريدا)
( كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر)

4- البهيمية:
وفى الوصف الرابع للنفس الإنسانية طبع البهائم، من حب للشهوات واللذات من منكح ومأكل ومشرب…….. إلخ.
والبهيمية هى كل ذات أربع قوائم، أو كل حى لا يميز فكان وصف الإنسان بالبهيمية إنما يهبط به إلى الجهل وعدم التمييز.
فإذا وصف الإنسان بالبهيمية، فكان دمه حلال كالحيوان واستعباده فى الأرض كالرقيق، وذلك إذا اجتمعت فيه الخصال الأخرى، والأوصاف التى سبق ذكرها وهى إدعاء الربوبية، وحب المدح، وأخلاق الشياطين:
( أولئك كالأنعام بل هم أضل)

5- ما سبق إيضاحه يتبين لنا أن لكل نفس إنسانية صفات وأوصاف توصف بها وهى ما فطر عليه الإنسان.
وتربية النفس وتهذيبها يؤدى إلى ترقى النفس من منزلة إلى منزلة، ومن درجة إلى درجة، ومن مقام إلى مقام، وفى كل مرحلة من هذه المراحل تتسم النفس بسمة معينة تعرف بها وهذه السمات هى ما يجب أن يسعى إليها الإنسان حتى يحظى برضا الله ومحبته, وهذا لا يأتى إلا بعمل الإنسان وبسعيه ومجاهدته, وبصفة عامة تقسم درجات النفس وأحوالها ومقاماتها إلى سبعة أقسام:-

1) النفس الأمارة بالسوء:-
النفس الأمارة هى النفس المذمومة التى تأمر بكل سوء، وهذا من طبيعتها إلا إذا وفقها الله وثبتها وأعانها فى التخلص من شرورها وآثامها وابتعدت عن الضلالات وسارت فى طريق الله، وهى المذكورة فى قوله تعالى،وفيما أوردته إمرأة العزيز عن نفسها:
( وما أبرىء نفسى إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربى إن ربى غفور رحيم(53))
وطبيعة النفس الأمارة بالسوء هى التغيير والتقليب، التلوين والميل إلى حظوظها والركون إلى أهوائها وحب الشهوات والغضب عند ضياع اللذات وللنفس الأمارة حالتين:-
أ- حالة بلاء ب- حالة عافية
فإذا كانت فى حالة بلاء، فالجزع والشكوى لباسها، والسخط والاعتراض منهجها، فلا صبر ولا رضى ولا موافقة.
أما إذا كانت فى حالة عافية، فإن هذه النفس تتصف بالشر والبطر واتباع الهوى والشهوات، وكلما تحققت لها لذة طلبت أخرى واستحضرت ماعندها من النعم.

2) النفس اللوامة:
وهى النفس التى تلوم نفسها عند التقصير، وتحاسبها عند الإخلال بالتكاليف والواجبات الشرعية، أو عند الوقوع فى الأخطاء والمعاصى، وهى التى أسم بها الله سبحانه وتعالى فى قوله:
( ولا أقسم بالنفس اللوامة (2) )

3) النفس الملهمة:
هذه التى تظهر وتتضح إذا صدقت النفس وكانت عاملة عابدة لله واستمرت فى المجاهدة، وأمست المحاسبة طبعها الدائم وخلقها الثابت فتتمسك بالقيم العليا من خير واحسان, بر وفضيلة، فتستحق أن تلقب بالنفس الطائعة, المطيعة لله…. وهنا تلهم بالصالحات من الأعمال حتى تحظى بالدرجات العليا بفضل الله ومننه وتثبت فىمقام النفس الملهمة.

4) النفس المطمئنة:
إذا واصلت النفس فى رحلتها فى الخير وأعمال البر والإحسان وأصبح هذا الحال ظاهرها وباطنها, فكرها وعملها, واستقرت فى مقام السكينة ، فلا ترى غير الفضيلة مبدأ ولا تختار غير الخير بديلا فأمنها مع الحق، وأملها فيه تعالى وهنا تسمى بفضل الله النفس المطمئنة.
وصفات النفس المطمئنة هى: السكينة، والتواضع والإيثار، والرضا ، والصبر على الابتلاء، وإسقاط التدبير مع الله، فلا خوف ولا اضطراب ولا قلق ولا ضياع ولا ضجر، وإنما رضا فى الله وأمل مع الله.
( يأيتها النفس المطمئنة ( 27) ارجعى إلى ربك راضية مرضية(28) فادخلى فى عبادى(29) وادخلى جنتى(30) )

إذا واصلت النفس رحلتها فى الخير وأعمال البر والإحسان بالكلمة الطيبة، والعمل الصالح أنعم الله عليها بنعمة السكينة والإطمئنان فتصبح النفس المطمئنة التى تعتبر من أعظم النعم.

5) النفس الراضية:
إذا أسكنت النفس الشيطان فى ذاتها… أنزل الله عليها السكينة.
( هو الذى أنزل السكينة فى قلوب المؤمنين ليزدادوا ايمانا مع ايمانهم)
واطمأنت لحالها بالتوكل وإسقاط التدبير دون النظر إلى شهوة أو جنوح إلى معصية، سميت هذه النفس راضية.

6) النفس المرضية:
فاذا وصلت النفس إلى مقام النفس الراضية حيث أن سمتها الأساسية هى الرضا فى كل الأحوال وإسقاط التدبير مع الله, إذا وصلت النفس إلى ذلك رضى الله عنها فأصبحت مرادة لله سبحانه وتعالى محببة إليه فهى نفس مرضية:
( يأيتها النفس المطمئنة(27) ارجعى الى ربك راضية مرضية(28) )

7) النفس الصديقية أو النفس الكاملة:
والنفس التى تمضى فى سياحتها الروحية خالصة لله… متوكلة عليه… راضية بما ترتزق به من خير وشر… تجاهد جهاد الأبطال …وعمل عمل الأبرار… وترضى بما أعطاها الله من نعم… غير معترضة على ما يختبرها به من امتحانات وابتلاءات متوكلة عليه تعالى… مسقطة للتدبير معه على الدوام.

هذه النفس يرضى الله عنها فتكون حبيبة إلى الله… مرادة له تعالى متمتعة بالكمالات الأخلاقية.. تحظى بالمقامات العليا التى يحظى بها المؤمنون… وتسمى فى هذا المقام بالنفس الصديقية مثلها مثل نفوس الأنبياء والأولياء الصالحين.

وجدير بالذكر أنه لا يمكن الفصل مطلقا بين حال النفس الأمارة وحال النفس المطمئنة، فالنفس واحدة ولكن أحوالها متعددة.

ودائما هناك صراع بين النفس الأمارة بالسوء، والنفس المطمئنة، فهى تحوى الفضيلة والرذيلة، والخير والشر، والتوحيد والشرك، والنور والظلام.

والإنسان يحوى طبيعة النفس الأمارة التى تسير وفق هواها، ويقودها طمعها ولذاتها وشهواتها، كما تحوى النفس أيضا طبيعة خيرة نورانية تبحث عن الحقيقة، وتنشد المعرفة.

ولقد دعانا الله سبحانه وتعالى إلى الترقى دائما نحو الأفضل، ونحو الخير للقرب منه سبحانه وتعالى ، حتى نصل إلى درجة النفس المطمئنة التى تستطيع أن تحقق الأمن والأمان والسكينة.

كما دعانا رسول ا لله صلى الله عليه وسلم إلى جهاد النفس وأسماه الجهاد الأكبر، لما فيه من مشقة وتحمل فى سبيل ترقى النفس نحو الخير وكمال الأخلاق.

Leave a Reply