ملوك العلم والحضارة

تطفو علىا لسطح فى هذه الأيام ظاهرة غريبة هى دعوة فاسدة خفية تنتشر فى المجتمعات الاسلامية والعربية تدعو الى أن التمسك بالدين والارتباط بالقيم الروحية والمثالية طريق التأخر والتخلف أما الاتجاه الى الماديات والأخذ بالأسباب والظواهر المادية هو طريق الحضارة وسبيل التقدم والرخاء.

ولنقف هنا وقفة تأمل طويلة لعلها توقظنا من غفلتنا لنعيد حساباتنا مرة أخرى ولنعلم أنها دعوة خطيرة موجهة الى المسلمين فى كل مكان هدفها البعد عن طريق الله.

ولنرجع بأذهاننا ووجداننا الى الوراء، الى عهد ظهور الاسلام عندما كان المسلمون يتمسكون بدين الله وشريعة الله ويغرفون من كنز الحياة الروحية والارتباط بالقيم والمثالية .
ماذا أثمر ايمانهم بالله وحبهم له وحده الذى كان يجرى فى عروقهم ودمائهم.

فلقد أثمر عن حقيقة ثابتة عبر الأيام والسنين.. شاهدة على نفسها فى الماضى والحاضر والمستقبل باذن الله وأمره وهذه الحقيقة هى أن أصبح المسلمون وقتئذ بهذا الايمان الحى النابض بحب الله وحده والسعى اليه وحده.. ملوك العلم والحضارة رواد التقدم والرخاء.. قواد الأمن والسلام.

فلقد ولد الاسلام عملاقا، ولم تمر ا كثر من مائتى سنة على ميلاده الا وأصبح المسلمون يقفون على أحوال العالم ويتصدرون باعتبارهم الأئمة على مفاتيح الفنون والعلوم.

ان الفكر السليم ينبع دائما من الفطرة السليمة، والفطرة السليمة تواكب الدين، والدين القيم هو قمة الحقيقة والمعرفة فاذا ابتعد الانسان عن حقيقة الدين فكأنما ابتعد عن النور الذى يهديه سواء السبيل، ولا يهتدى ابدا الى الحق الذى هو غاية كل انسان فى الوجود.

فاذا جنى المفكر المسلم ثمار طاعته لله، فانه سيقدم لنا مما لاشك فيه اضافات صادقة ومعانى عميقة تعطى للوجود معنى، وللحياة رسالة وعلى الانسان أن يؤدى هذه الرسالة وهو مطمئن النفس الى أن الله معه يؤيده ويثبت قلبه.

لقد سبق العلماء المسلمين العالم كله بقرون عديدة حيث بحثوا فى جملة من العلوم وفى تخصصات مختلفة مما ينم عن غزارة معارفهم، وشمولية نظرتهم، واكتمال فكرة وهذه ثمرة طيبة لاستقاء علومهم من القرآن الكريم والسنة المحمدية.

ومن هذه العلوم التى نبغ فيها العلماء المسلمون وكان لهم السبق الأول فى بناء الحضارة الاسلامية:
التشريع، التربية والأخلاق، الاجتماع، الانثروبولوجى ، علم النفس، الطب، الصيدلة، الكيمياء، الطبيعة، الفلك، الرياضيات، الميكانيكا، الموسيقى.

ولقد أخذها عنهم غيرهم من الأمم والشعوب وتقدموا بها حتى وصلوا الى حضارة القرن العشرين.

ان كل حضارة من الحضارات دور قامت به، وما كانت لحضارة أن تسبق حضارة أخرى فى دورها، فالحضارة التالية تأخذ من الحضارة السابقة وتزيد عليها، وهكذا أيضا فى مجال العلم فلولا البيرونى والخوارزمى وابن الهيثم وابن حيان وابن سينا وابن يونس وغيرهم من الأفذاء من العلماء المسلمين ماكان جاليليو وكوبرنيكوس ونيوتن وديكارت.

فلولا عصور الحضارة الاسلامية وأبحاث العرب العلمية التى بدأت فى القرن الثامن الهجرى… لما بدأت الحضارة الأوروبية فى القرن العشرين أو ربما لم تكن على الاطلاق.

ونعلم جيدا بأن الحضارة الغربية الحديثة قد استقطبت علوم المسلمين وتوصلت بفضلها الى اكتشافات جديدة ومخترعات حديثة الأمر الذى جعل من دولها الفقيرة دولا غنية ومن شعوبها
الفقيرة شعوبا قوية معتزة بنفسها واثقة فى ذاتها.

الا أن الحضارة الغربية لم تستطع أن تنفذ الى روح التراث الاسلامى أو تتعرف على سر حضارة المسلمين حيث أنها لم تغنم منها الا الجانب المادى فحسب، أما الجانب الروحى من الحضارة الاسلامية فلم تستطع أن تقلده أو تلمسه ولذلك لم تنجح الى الآن فى العثور على القيم والمفاهيم والمثل العليا التى كانت تحرك ضمير الأمة الاسلامية ابان حضارتها الزاهرة التى استمرت قرونا عديدة.

نحن فى أشد الحاجة لأن نستفيد من الجانب المادى من الحضارة الغربية لتطوير مجتماعتنا باستخدام الوسائل والأساليب الحديثة التى سبقنا الغرب اليها، لكنا يجب ألا نغفل عن الجانب الروحى والذى به تتكون ذاتية الأمة وتحدد مفاهيمها وأخلاقياتها ومثلها العليا.

من الصعب على الحضارة الغربية أن تنفذ اليه مهما استخدمت من الوسائل والتجارب الا أنه سهل وميسور علينا حيث انه صادر من الينبوع الذى لا ينضب وهو كتاب الله وسنة رسوله الأمين.

اننا لن نبذل جهدا كبيرا فى الوصول الى سر التقدم المذهل للمسلمين بان حضارتهم الزاهرة، اذا كان رائدنا حقا التمسك بأهداب الدين والعمل بشريعة الله.

ان سر تقدم المسلمين انما هو تطبيقعهم لشريعة الله، والعمل بها ظاهرا وباطنا، ومتى كان حكم الله قائما وجد التحضر والرخاء، ومتى بطل العمل بحكم الله وجد التأخر، والانحلال والمجاعات.

وان أعداء الاسلام يعرفون ذلك جيدا، ولهذا فهم ينشرون هذه الدعوة الفاسدة بأن التمسك بالدين والاهتمام بالجوانب الروحية انما هو طريق التأخر والتخلف، وانما الاهتمام بالماديات هو طريق التقدم والحضارة.
وهذه دعوة خطيرة تسعى الى الفساد والبعد عن الله، وتهدف الى تأخر المسلمين وتخلفهم وانقطاع أى سبيل من سبل التقدم والرخاء عنهم، وانعزالهم عن جوانب الحياة الزاهرة المتطورة.

مما سبق يتضح لنا أن العلماء المسلمين كانوا حقا ملوك العلم والحضارة، وهم الذين فتحوا الباب نحو التقدم والرخاء بأمر الله، وبفضل تمسكهم بالدين واخلاصهم فى عملهم حبا لله وحده، وهذا يبلور لنا حقيقة هامة وهى:
أن التمسك بالدين ضرورة لا استغناء عنها ابدا وأن الارتباط بالقيم الروحية والمثالية يجنى لنا الكثير من دعاوى فاسدة بالاتجاه الى الماديات والعلم فقط والابتعاد عن الدين والقيم الروحية هو دعوة خطيرة لن تجنى الا التأخر والتخلف والخراب والدما وسيحل غضب الله علينا، فليرحمنا الله… ويهدينا الى سواء السبيل