مقالات

الشخصية الأخلاقية

 

الشخصية الأخلاقية…

د.ناهد الخراشي

       الشخصية الأخلاقية هي محصلة الكيفية التي تتكامل بها مكونات السلوك الأخلاقي الخمس في شخصية الانسان ومظاهرها هي:

 1-مقاومة اغراء الخطيئة

 2- درجة الشعور بالذنب

 3- الايثار

 4- بعد النظر الأخلاقي

 5- الاعتقاد الأخلاقي.

     ويعبر عن قوة هذه المظاهر او ضعفها ب ” الضمير” ومن المعروف أن الشخصية الأخلاقية تتكون من تنشئة الفرد في المجتمع الذي يعيش فيه، وطريقة تربيته وتأثيره بمن حوله من الوالدين وأفراد المجتمع الذي يتصل به، والرفاق والمعلمين والمربين، بالإضافة إلي الآثار البيئية والوراثيه وما تربي عليه ومثله الأعلي الذي يتطلع اليه دوما، وكل ذلك يؤثر في حياته وشخصيته وسلوكه الأخلاقي فينتج الشخصية الأخلاقية وهناك نماذج للشخصة الأخلاقية:-

  • الشخصيات الأخلاقية التبعية أي الشخصيات التي تتبع سلوك الآخرين من الأنداد أو الأصدقاء أو المسئولين..الخ
  • الشخصيات الآخلاقية ” السلطوية” وهي الفئة التي تسلك سلوكا سلطويا من أجل تثبيت مكانته والمحافظة علي قوته، والشخص السلطوي تقليدي محافظ، وتفكير ثابت مغلق ويميل نحو الصرامة ، وسلوكه الشخصي ينبع من دوافع عدوانية مكبوتة.
  • الشخصية الأخلاقية ” التابعة” لأحكام الضمير فهي شخصية تستجيب للأحكام التي تضمرها في داخلها دون اهتمام بما يقوله الآخرون، وهذه الشخصية هي نتاج ظروف أحاطت بتنشئتها التي كانت من (الولدين أو للكبار) الذي غرسوا عنده ذلك.
  • الشخصية الأخلاقية المستقلة أو الشخصية الايثارية فهي الشخصية التي يختار صاحبها الأحكام الأخلاقية بنفسه ويهتدي بها في حياته ، وتعتبر هذه الشخصية الأخلاقية أنضج الشخصيات ، لأن النمو الطبيعي بتوجه لمثل هذا الاستقلال.

            والأخلاق جزء من الدين، ولا وزن ولا قيمة للإنسان بدون أخلاق يتحلى بها وقيم يتمسك بها فيصبح إنسانا يقتدى به. ولقد أثنى الله عز وجل على رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم ( وأنك لعلى خلق عظيم )  ( القلم: 4 )  , ولقد لخص رسالته عليه الصلاة والسلام فى قوله:( انما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ) كما قال عليه الصلاة والسلام فى حديثه النبوى: ( أكمل المؤمنين ايمانا أحسنهم خلقا )  رواه الترمذى. والدين لا يقف عند حد الدعوة إلى مكارم الأخلاق وتمجيدها بل انه هو الذى يرسى قواعدها، ويضبط مقاييسها الكلية.

       والأخلاق مرتبطة بجميع العلوم والمعارف.. إذا آمنا بذلك نجد أن كل معارفنا مرتبطة بالدين لأنها ممتزجة بالأخلاق. والسلوك الفاضل لا يأتى إلا من خلق حميد، والخلق لا ينبع إلا من الدين والإيمان الذى يحقق للإنسان السعادة والحياة الأمنة المطمئنة.  

       وأفضل شخصية أخلاقية نقتدي بها هي شخصية رسول الله صلي الله عليه وسلم الذي حمل لواء الأخلاق وانفرد باتمام مكارم الأخلاق فهو الذي حمل رسالة بناء النفس من الداخل وتغيير ما تطبع به الإنسان وما يتطلب ذلك من جهاد وصبر إيمانا وحبا لله.

        ونحن في أشد الحاجة في هذا الزمان الذي نفتقد فيه إلي القيم الأخلاقية أن نعود لمنهج الرسول صلي الله عليه وسلم في بناء الشخصية المثالية التي تربي ولا تهدم وتتجاوز عن الأخطاء متحلية بالتسامح والصفح الجميل لبناء مجتمع قويم يبني صرحه علي القيم والمباديء العليا ممتزجة بالعلم النافع والعمل الصالح فيهبنا الله الحياة الآمنة المطمئنة.

 

 

 

 

صفات النفس و أوصافها

صفات النفس وأوصافها

د. ناهد الخراشي

الكاتبة/د. ناهد الخراشى
كاتبة وعضو اتحاد الكتاب
استشاري تدريب و علوم سلوكية و اجتماعية
خبيرة الصحة النفسية
لايف كوتش
المستشار الثقافي للإتحاد العربي لحقوق الملكية الفكرية

 

 

لا شك أن كل فرد يسعي لتحقيق الإطمئنان والأمن النفسي في حياته، ولتحقيق الأمن النفسى كان لابد من معرفة النفس الإنسانية وما تمر به من أحوال وصفات وأوصاف وسمات معرفية واسعة.

ولقد عنى القرآن الكريم بالنفس البشرية عناية شاملة تمنح الإنسان معرفة صحيحة عن النفس دون أن ينال ذلك من وحدة الكيان الإنسانى أو رفع طاقة من الطاقات على حساب طاقة أخرى.

وكان من الإعجاز القرآنى فى عنايته بالنفس فى أنه لم يترك زاوية من زوايا النفس أو جانبا من جوانبها إلا وتعرض لها.

ووجوه هذا الإعجاز كثيرة فمنها:

1- ذكر النفس وما تتعرض له من وساوس وهواجس وأحاسيس من فرح وحزن ووحشة
وأنس وانقباض وارتجاف واطمئنان وقلق واضطراب.
2- أرشدنا إلى أدواء وأمراض وعلل النفس وألوان قصورها وأدلة قوتها ونشاطها
وكمالاتها، وآفاتها والمعالجة الإسلامية لهذه الآفات مثل:
الرياء، الكبر، الغرور، الحقد، الحسد، الوسوسة، الغضب، النسيان، اليأس، ….الخ.
3- يبين لنا القرآن الكريم صفات النفس التى ترتكز فى :
الضعف، البخل، الشهوة والجهل.

1) الضعف:

الضعف من مكونات الإنسان
( وخلق الانسان ضعيفا)
2) البخل:

النفس الإنسانية خلقت من عناصر تتفق مع بعضها البعض، وتختلف فى أحيان أخرى,
فعلاوة على الضعف الترابى فهناك البخل الذى لا يدل على المعرفة، والذى يتصف بأوصاف مذمومة.

( ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم)

3) الشهوة:

وفى جبلة النفس ترتكب ثالث أكبر التراكيب فسادا عندما يكون تابعا للنفس وحظوظها وأهوائها أو وهو الشهوة.

( زين للناس حب الشهوات )

4) الجهل:

أما الصفة الرابعة التى يتصف بها الإنسان، الجهل ، ولقد اقتضت مشيئة الله تعالى أن يكون الإنسان جهولا لحكمة يعلمها سبحانه حتى يحض الإنسان على المجاهدة ويدفعه إلى سلوك طريق العلم والمعرفة.
فلو فطر الإنسان عالما بالله ما كابد ولاجاهد، بل أصبح ملائكيا لا يعرف إلا الخير والفضيلة، ولا يعبد إلا الله على الحقيقة، ولا يسجد إلا له تعالى.

( وحملها الإنسان أنه كان ظلوما جهولا)

كما أن للنفس صفات فطرية تعتبر من تركيبتها الأولى فإن لها أوصافا تعرف بها وأشكالا تتشكل بها وأمانى شيطانية تمضى إليها، ومظاهر لا تستطيع منها خلاصا إلا بالمشيئة الإلهية, وهى الأوصاف التى تتميز بها النفس الإنسانية إنما هى ابتلاء وعلى الإنسان أن يجاهد فى سبيل الله بالإخلاص فى النية والصدق فى القول والعمل ومحاسبة النفس حتى تتخلص من هذه الأوصاف المذمومة, وهذه الأوصاف تتركز فى إدعاء الربوبية، حب المدح، أخلاق الشياطين والبهيمية.

1- إدعاء الربوبية:
تميل النفس إلى التكبرو التبختر وهو حب التعاظم وعدم الخضوع للحق عنادا وعدم قبوله ترفعا عنه كما فى قوله تعالى:
( استكبارا فى الأرض ومكر السيىء)

وقد ادعى فرعون بالربوبية كما جاء فى قوله تعالى:
( قال أمنتم له قبل أن آذن لكم)

2- حب المدح:
كما تميل النفس بحكم طبيعتها إلى المدح والثناء، وترفض النقد والفضح، وذلك لتتصف بالعظمة والكمالات كما تحب المجد والغنى وتكره التواضع والفقر، وهذا نوع من الاعتزاز يتصف به الشياطين , ويقول الحق تعالى فى ذلك:

( وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور)

3- أخلاق الشياطين:
كما أن من أوصاف النفس الأخلاق الشيطانية، وهى تتمثل فى: الخداع والغش، والحقد والحسد، والحيلة والغيرة، والغيبة والنميمة، وسوء الظن وحب الأذى… وهذه الأخلاق قد ابتليت بها النفس الأمارة بالسوء وأصبحت فطرة فيها، وجبلة فى طبيعتها:
( وإن يدعون إلا شيطانا مريدا)
( كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر)

4- البهيمية:
وفى الوصف الرابع للنفس الإنسانية طبع البهائم، من حب للشهوات واللذات من منكح ومأكل ومشرب…….. إلخ.
والبهيمية هى كل ذات أربع قوائم، أو كل حى لا يميز فكان وصف الإنسان بالبهيمية إنما يهبط به إلى الجهل وعدم التمييز.
فإذا وصف الإنسان بالبهيمية، فكان دمه حلال كالحيوان واستعباده فى الأرض كالرقيق، وذلك إذا اجتمعت فيه الخصال الأخرى، والأوصاف التى سبق ذكرها وهى إدعاء الربوبية، وحب المدح، وأخلاق الشياطين:
( أولئك كالأنعام بل هم أضل)

5- ما سبق إيضاحه يتبين لنا أن لكل نفس إنسانية صفات وأوصاف توصف بها وهى ما فطر عليه الإنسان.
وتربية النفس وتهذيبها يؤدى إلى ترقى النفس من منزلة إلى منزلة، ومن درجة إلى درجة، ومن مقام إلى مقام، وفى كل مرحلة من هذه المراحل تتسم النفس بسمة معينة تعرف بها وهذه السمات هى ما يجب أن يسعى إليها الإنسان حتى يحظى برضا الله ومحبته, وهذا لا يأتى إلا بعمل الإنسان وبسعيه ومجاهدته, وبصفة عامة تقسم درجات النفس وأحوالها ومقاماتها إلى سبعة أقسام:-

1) النفس الأمارة بالسوء:-
النفس الأمارة هى النفس المذمومة التى تأمر بكل سوء، وهذا من طبيعتها إلا إذا وفقها الله وثبتها وأعانها فى التخلص من شرورها وآثامها وابتعدت عن الضلالات وسارت فى طريق الله، وهى المذكورة فى قوله تعالى،وفيما أوردته إمرأة العزيز عن نفسها:
( وما أبرىء نفسى إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربى إن ربى غفور رحيم(53))
وطبيعة النفس الأمارة بالسوء هى التغيير والتقليب، التلوين والميل إلى حظوظها والركون إلى أهوائها وحب الشهوات والغضب عند ضياع اللذات وللنفس الأمارة حالتين:-
أ- حالة بلاء ب- حالة عافية
فإذا كانت فى حالة بلاء، فالجزع والشكوى لباسها، والسخط والاعتراض منهجها، فلا صبر ولا رضى ولا موافقة.
أما إذا كانت فى حالة عافية، فإن هذه النفس تتصف بالشر والبطر واتباع الهوى والشهوات، وكلما تحققت لها لذة طلبت أخرى واستحضرت ماعندها من النعم.

2) النفس اللوامة:
وهى النفس التى تلوم نفسها عند التقصير، وتحاسبها عند الإخلال بالتكاليف والواجبات الشرعية، أو عند الوقوع فى الأخطاء والمعاصى، وهى التى أسم بها الله سبحانه وتعالى فى قوله:
( ولا أقسم بالنفس اللوامة (2) )

3) النفس الملهمة:
هذه التى تظهر وتتضح إذا صدقت النفس وكانت عاملة عابدة لله واستمرت فى المجاهدة، وأمست المحاسبة طبعها الدائم وخلقها الثابت فتتمسك بالقيم العليا من خير واحسان, بر وفضيلة، فتستحق أن تلقب بالنفس الطائعة, المطيعة لله…. وهنا تلهم بالصالحات من الأعمال حتى تحظى بالدرجات العليا بفضل الله ومننه وتثبت فىمقام النفس الملهمة.

4) النفس المطمئنة:
إذا واصلت النفس فى رحلتها فى الخير وأعمال البر والإحسان وأصبح هذا الحال ظاهرها وباطنها, فكرها وعملها, واستقرت فى مقام السكينة ، فلا ترى غير الفضيلة مبدأ ولا تختار غير الخير بديلا فأمنها مع الحق، وأملها فيه تعالى وهنا تسمى بفضل الله النفس المطمئنة.
وصفات النفس المطمئنة هى: السكينة، والتواضع والإيثار، والرضا ، والصبر على الابتلاء، وإسقاط التدبير مع الله، فلا خوف ولا اضطراب ولا قلق ولا ضياع ولا ضجر، وإنما رضا فى الله وأمل مع الله.
( يأيتها النفس المطمئنة ( 27) ارجعى إلى ربك راضية مرضية(28) فادخلى فى عبادى(29) وادخلى جنتى(30) )

إذا واصلت النفس رحلتها فى الخير وأعمال البر والإحسان بالكلمة الطيبة، والعمل الصالح أنعم الله عليها بنعمة السكينة والإطمئنان فتصبح النفس المطمئنة التى تعتبر من أعظم النعم.

5) النفس الراضية:
إذا أسكنت النفس الشيطان فى ذاتها… أنزل الله عليها السكينة.
( هو الذى أنزل السكينة فى قلوب المؤمنين ليزدادوا ايمانا مع ايمانهم)
واطمأنت لحالها بالتوكل وإسقاط التدبير دون النظر إلى شهوة أو جنوح إلى معصية، سميت هذه النفس راضية.

6) النفس المرضية:
فاذا وصلت النفس إلى مقام النفس الراضية حيث أن سمتها الأساسية هى الرضا فى كل الأحوال وإسقاط التدبير مع الله, إذا وصلت النفس إلى ذلك رضى الله عنها فأصبحت مرادة لله سبحانه وتعالى محببة إليه فهى نفس مرضية:
( يأيتها النفس المطمئنة(27) ارجعى الى ربك راضية مرضية(28) )

7) النفس الصديقية أو النفس الكاملة:
والنفس التى تمضى فى سياحتها الروحية خالصة لله… متوكلة عليه… راضية بما ترتزق به من خير وشر… تجاهد جهاد الأبطال …وعمل عمل الأبرار… وترضى بما أعطاها الله من نعم… غير معترضة على ما يختبرها به من امتحانات وابتلاءات متوكلة عليه تعالى… مسقطة للتدبير معه على الدوام.

هذه النفس يرضى الله عنها فتكون حبيبة إلى الله… مرادة له تعالى متمتعة بالكمالات الأخلاقية.. تحظى بالمقامات العليا التى يحظى بها المؤمنون… وتسمى فى هذا المقام بالنفس الصديقية مثلها مثل نفوس الأنبياء والأولياء الصالحين.

وجدير بالذكر أنه لا يمكن الفصل مطلقا بين حال النفس الأمارة وحال النفس المطمئنة، فالنفس واحدة ولكن أحوالها متعددة.

ودائما هناك صراع بين النفس الأمارة بالسوء، والنفس المطمئنة، فهى تحوى الفضيلة والرذيلة، والخير والشر، والتوحيد والشرك، والنور والظلام.

والإنسان يحوى طبيعة النفس الأمارة التى تسير وفق هواها، ويقودها طمعها ولذاتها وشهواتها، كما تحوى النفس أيضا طبيعة خيرة نورانية تبحث عن الحقيقة، وتنشد المعرفة.

ولقد دعانا الله سبحانه وتعالى إلى الترقى دائما نحو الأفضل، ونحو الخير للقرب منه سبحانه وتعالى ، حتى نصل إلى درجة النفس المطمئنة التى تستطيع أن تحقق الأمن والأمان والسكينة.

كما دعانا رسول ا لله صلى الله عليه وسلم إلى جهاد النفس وأسماه الجهاد الأكبر، لما فيه من مشقة وتحمل فى سبيل ترقى النفس نحو الخير وكمال الأخلاق.

وإلي ربك المنتهي

وإلي ربـك المنتهـي

د. ناهـد الخراشي

كاتبة وعضو اتحاد الكتاب

استشاري تدريب و علوم سلوكية و اجتماعية

خبيرة الصحة النفسية

لايف كوتش

المستشار الثقافي للإتحاد العربي لحقوق الملكية الفكرية

 

انقضي رمضان ولا زالت روحانياته وأجواء صفائه تنبض في سرائرنا وأنفسنا، والعبد المؤمن المحب لله هو الذي يجعل ما أنعم الله عليه من الروحانية والصفاء مولدا جديدا يحياه بعد رمضان وبذلك تصبح الأيام كلها رمضان.
فما كان يحرمه علي نفسه في رمضان، فليكن كذلك بعد رمضان فيصوم عن الغيبة والنميمة ، ويبتعد عن الكذب ويهجر المعصية بكل معناها سواء كانت كلاما أو خلقا أو سلوكا ، ويحيا الصفاء الروحاني..والسلام النفسي علي مدي الأيام مترجما هذه الروحانية إلي عمل نافع وتعاون تتجلي فيه التقوي والصلاح وحب الله.

وبذلك كان شهر رمضان ميلادا جديدا ، وبزوغ إشراقة الإيمان في حياته، ورسالة إليه كي يحافظ علي هذا الصفاء النفسي فيحيي ليالي العمر بالقرآن والذكر والصلاة، ويتصالح مع نفسه والآخرين بالعمل الصالح والعطاء، ويحيا أجمل نبضات الحب مع الكون وما خلقه الله من آيات تتجلي فيها نسمات الحنان الإلهي.

ويزين أيامه ولحظات عمره بالأخلاق الحميدة ويضع أمامه حقيقة هامة خالدة وهي: أن إلي ربه المنتهي ولتحقيق المعني الجليل للآية الكريمة ” وإن إلي ربك المنتهي” لا بد من مسلكين هما: الإرادة والرياضة.
الإرادة المصممة التي لا تلين ، وتزيل ـ لقوتها وتصميمهاـ كل ما يقف أمامها من عقبات في سبيل الوصول إلي الله سبحانه .
والرياضة التي تتخذ الله هدفها، والتي تتمثل في معاني الهجرة إلي الله ، والفرار اليه جل جلاله.

وتتعاون الإرادة والرياضة في الوصول ـ بتوفيق الله ـ إلي هذا المنتهي الذي لا بد من الوصول إليه، لتستقر الإرادة وتسكن.
إن الله سبحانه وتعالي يأمرنا علي لسان نبيه صلي الله عليه وسلم بالفرار إليه :” ففروا إلي الله ، إني لكم منه نذير مبين. “
والإنسان يفر إلي الله من الكفر إلي الإيمان، ومن الطاعات إلي القربات، ومن الكون إلي المكون، ومن النعمةإلي المنعم، ومن الخلق إلي الخالق، ومن نفسه إلي ربه.

والفرار إلي الله لا نهاية له، لأن الترقي إلي الله لا نهاية له ، وكما أن الفرار إلي الله مستمر .. فإن الهجرة إليه سبحانه مستمرة دائما، وهذا يذكرنا بقول سيدنا ابراهيم عليه السلام:-

” إني مهاجر إلي ربي إنه هو العزيز الحكيم”
إنه عليه السلام مهاجر إلي ربه بعمله، بحركاته، وسكناته، وأنفاسه، بنومه وصحوه.

والهجرة إلي الله والفرار إليه بمعني واحد شامل وضحه لنا رسولنا الكريم صلي الله عليه وسلم ممتثلا في أمر الله سبحانه وتوجيهه في قوله تعالي:
” قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين …”

والرياضة ذكر دائم ، وتذكر له سبحانه في كل لمحة، وهي إتجاه إلي الله بكل الأعمال، وهي هجرة لا تنقطع إليه سبحانه.

فإذا كان شهر رمضان قد انقضي… فإن الهجرة إلي الله لم تنقض بعد ، وأبواب الفرار إليه مفتوحة…
فلنفر إلي الله من الطاعات في رمضان إلي القربات علي مدي الأيام للوصول إليه سبحانه……………..
” فإلي ربك المنتهي” ..
فلنتسارع إليه بالخيرات والعمل الصالح.. يذكرك سبحانه في الملأ الأعلي ، وتفتخر بك الملائكة ……فتصبح عبدا ربانيا من أهل الله وخاصته إذا قال للشيء ” كن .. فيكون”.

 

 

 

جائزة الصائمين و الطائعين

جائزة الصائمين والطائعين 

 

     الكاتبة/د. ناهد الخراشى

كاتبة وعضو اتحاد الكتاب

استشاري تدريب و علوم سلوكية و اجتماعية

خبيرة الصحة النفسية

لايف كوتش

المستشار الثقافي للإتحاد العربي لحقوق الملكية الفكرية

 

 

 

 

     بعد أيام قليلة يغرب عنا شهر رمضان المبارك وتغرب معه احياء لياليه والصيام وقيام الليل إلا عن الصائمين والطائعين الذى يجعلون من رمضان امتدادا لأداء النوافل من الصوم وقيام الليل وتلاوة القرآن فى غير رمضان تقربا إلى الله.

 

     ويشرق علينا عيد الفطر المبارك ببهجته وفرحته فهو عيد وفرحة ويعد جائزة الله إلى الصائمين والطائعين على صومهم وقيامهم الليل وتقربهم إليه سبحانه فى هذا الشهر الكريم.

 

     وإذا كان عيد الفطر هو جائزة للصائمين، فإن كل طاعة لله عيد للطائعين.. وأجمل عيد فى حياة الإنسان إما تكون علاقته بالله متميزة، وكل يوم يمر عليك دون أن تعصى الله فهو عيد.

 

     ولنبدأ احتفالنا بعيد  الفطر بإحياء ليلته قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

     ( من أقام ليلة العيد إيمانا واحتسابا لم يمت قلبه حين تموت القلوب)  (أخرجه ابن حاجة)

 

     ولنحيى سلوكياتنا ونهذب أخلاقياتنا بآداب العيد حيث الدعوة إلى التسامح والتصالح مع أنفسنا أولا ثم الآخرين ونبذ الخلافات التى تبعدنا عن طريق الله وهجر المعاصى وتجديد العهد مع الله بأن يكون نهاية رمضان جسرا نستكمل فيه مشوارنا مع حب الله فيكون عيد الفطر عيدا للوفاء والإخلاص والصدق والهجرة إلى الله بقلوبنا وأنفسنا وسلوكياتنا وأخلاقنا.

 

     وهكذا يتحقق البعد الروحى العميق فى العيد حيث يتسامى المسلمون ويستشعرون آثاره المباركة فى التعاون والإخاء والحب.

 

     ولنا فى هدى رسول ا لله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة وعظة جميلة حيث دعا المسلمون للمشاركة فى حضور صلاةالعيد رجالا ونساءا لاستشعار البهجة والسرور إلى النفس ولاجتماع الأقارب والأصدقاء للتهنئة بالعيد مما يحقق التسامى والتعاون وبذلك يتحقق للمسلمون فى ذلك

اليوم المشاركة الوجدانية التى تشرق بنبضات الإيمان فى حب الخير والصلاح والتقوى.

فليست الأعياد فى الإسلام ذكريات مضت بل كل مسلم له بالعيد صلة وواقع متجدد على مدى الحياة.

 

     واظهار السرور والبهجة فى النفس فى العيد من الشريعة التى شرعها الله لعباده وترويح البدن وبسط النفس بما ليس محظورا أو شاغلا عن الطاعة من آداب العيد.

 

     إن مسحة على شعر يتيم هى عيد، ولمسة وفاء تقدمها لوالديك هى عيد، وكل كلمة طيبة تؤثر بها وتهديها إلى الآخرين هى عيد.

 

     إن أحزان الأيام وآلامها تهون أمام رضا الله عليك ..

     من السهل أن يصنع المسلم كل يوم عيد بأقواله وأفعاله وقيمه ومبادئه فتصبح الأعياد التى صنعها المسلم قيمة تضاف إلى الأعياد العظيمة التى شرعها الله

 

     وهكذا نجعل من عيد  الفطر نهرا متجددا خصبا من الحب والوفاء والولاء على مدى الأيام.

الروح و البصيرة

    

 

الروح والبصيرة 

د.ناهدالخراشي

 كاتبة وعضو اتحاد الكتاب

استشاري تدريب و علوم سلوكية و اجتماعية

خبيرة الصحة النفسية

لايف كوتش

المستشار الثقافي للإتحاد العربي لحقوق الملكية الفكرية

 

 

     إن الروح هبة من الله إلى الإنسان، وللروح إشراقات نورانية تعتبر من خصائص الروح وهى منحة من الله يهبها لمن يشاء من عباده .

 

     ومن إشراقات الروح  البصيرة والإلهام.

 

     والبصيرة قوة للقلب منورة بنور القدس منكشف حجابها بهداية الحق، ترى بها حقائق الأشياء وبواطنها،وهى بمثابة البصر للنفس التى ترى بها صور الأشياء وظواهرها.

 

     أما الإلهام فهو ما يلقى فى الروح بطريق الفيض وقيل الإلهام ما وقع فى القلب من علم ومعرفة.

 

     والعلم الإلهامى عند الغزالى هو إما أن يكون وحيا للأنبياء والمرسلين، وإما أن يكون إلهاما للأولياء والصالحين والعلوم الإلهامية أو علوم الوجد عند الشعرانى موارد تتوالى من الرب على خاطر العبد.

 

     فالعلم الإلهامى نور يقذفه الله فى قلب المؤمن فيصبح علما وعالما ومعلوما جميعا، والقلب الصادق مرآة مستمدة لأنه يتجلى فيها حقيقة الحق بالأمور كلها.

 

     وأعلى درجات العلم هى البصيرة.

 

     يقول الله تعالى:

 

     ( قل هذه سبيلى أدعوا الى الله على بصيرة أنا ومن اتبعنى )      ( يوسف: 108 )

 

     وأهل البصائر هم الداعين إلى الله على بصيرة.

 

     فالبصيرة نور يقذفه الله فى القلب يرى به حقائق الأشياء.

 

     والبصيرة تفجر المعرفة، وتنبت الفراسة، ولقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

     ( احذر فراسة المؤمن فإنه يرى بنور الله)..

 

     بهذه البصيرة تتفجر من قلب صاحبها ينابيع من المعارف التى لا تنال بكسب ولا دراسة إلى هو إلا فهم  يؤتيه  الله على قدر بصيرة قلبه.

 

     والبصيرة تنبت فى أرض القلب الفراسة الصادقة وهى نور يقذفه الله فى القلب يفرق به بين الحق والباطل، والصادق والكاذب .

 

     وعلى حسب قوة البصيرة وضعفها تكون الفراسة.

 

     والفرق بين البصر والبصيرة هو الفرق بين  الظاهر والباطن، فبالبصر يرى الإنسان الأشياء، وبالبصيرة يدرك الإنسان  الحقائق.

 

     وإذا كانت الروح هى الطاقة التى تهب الحياة للإنسان، فإن  البصيرة هى نور به حياة القلوب ينيرها ويبصرها بحقائق الأشياء.

 

     ونور البصيرة نعمة وملكة يهبها الله لمن يشاء من عباده وتستلزم الإخلاص والصفاء النفسى وإشراقة ربانية من إشراقات الروح ممتزجة بلمسات من الحنان الإلهى والعطاء الربانى.

    

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

روحانيات رمضان

روحانيات رمضان

د.  ناهد الخراشى

 كاتبة وعضو اتحاد الكتاب

استشاري تدريب و علوم سلوكية و اجتماعية

خبيرة الصحة النفسية

لايف كوتش

المستشار الثقافي للإتحاد العربي لحقوق الملكية الفكرية

 

 

 يهل علينا شهر رمضان بنفحاته وبركاته وإشراقاته النورانية، ولا شك أن طاقتك الروحية تزداد في رمضان أضعاف ما تفعله في غير رمضان حيث تتذكر أنك في أفضل شهور السنة، وهو الشهر الذي أنزل فيه القرآن وفيه ليلة خير من ألف شهر.

في رمضان نشعر بحلاوة الدعاء والمناجاة إلي الله فتستعد له بإحياء سنة رسول الله صلي الله عليه وسلم وتذكر أقواله:-

حيث قال عليه الصلاة والسلام:-

( جعلت قرة عيني في الصلاة ) حيث يجد فيها الإنسان طمأنينة القلب وسلام النفس وانشراح الصدر وتمام السعادة فيقبل عليها الإنسان مشتاقا خاشعا.

كما يقبل علي الصيام عن الطعام استجابة وطاعة لأمر الله لتخلية القلب للذكر والفكر، وليتذكر غيره من الفقراء والمحتاجين ويشاركهم آلامهم وفي ذلك عظة وعبرة لمشاركة الغني الفقير فيما يشعر به من ألم الجوع والحاجة .

وكما يصوم عن الطعام فهو يصوم عن الكلام فيتطهر لسانه من الغيبة والنميمة والكذب وإفشاء الأسرار وكل ما يفسد القلب.

وليتذكر حديث رسول الله صلي الله عليه وسلم:-

                            ( من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة ان يدع طعامه وشرابه)

وفي رمضان يقبل الإنسان علي قيام الليل للصلاة وتلاوة القرآن الكريم ، وهو من أفضل الأعمال التي شرعها الله للمسلمين بعد الصلاة المكتوبة فهو دأب الصالحين، وسبيل المحبين، وطريق التائبين .. فيه تتجلي النورانية والشفافية علي العبد الصالح الذي اتخذ حياته سلوكا وخلقا وعلما وعملا حبا لله طامعا في رضاه وحده.

وفي هذا الشهر الكريم .. يحيا الإنسان في ظلال الروحانية حيث يقل لغو الكلام، وتزول آثار كثرة الطعام، ويكون القيام موضع المنام، ويقضي وقت السحر في الاستغفار والذكر داعيا لاجئا إلي الله الذي يجيب المضطر إذا دعاه بأن يقبل صيامه ويجعل هذاالشهر الكريم زادا ودفعة قوية لأن يحيا في الروحانية والنورانية أيام العمر ، وليترك الباطل وما يفسد حياته في سبيل أن ينعم بنبضات الحب الإلهي وتشمله لمسات الحنان الإلهي .. فيمن الله عليه بإشراقات ونورانيات هي روحانية لا تؤتي إلا لمن دخل في محراب العبودية.

وليكن رمضان فرصة لنا جميعا نشحن بها قوانا، فنبتعد عن المعاصي وندخل في ظلال الحب والرحمة والنور.

الصوم و أثره في الصحة النفسية

الصـوم وأثره في الصحة النفسية

د.  ناهد الخراشى

 كاتبة وعضو اتحاد الكتاب

استشاري تدريب و علوم سلوكية و اجتماعية

خبيرة الصحة النفسية

لايف كوتش

المستشار الثقافي للإتحاد العربي لحقوق الملكية الفكرية

 

 

الصحة النفسية هي قدرة الإنسان علي إزالة العقبات التي تواجهه بسلوك سوي يتميز بالمرونة والتي تكفل له التوافق السليم مع هذه العقبات، ومن ثم يتحقق له الاتزان النفسي الذي يعتبرالمؤشر الطبيعي الجيد للصحة النفسية.

وترتبط الصحة النفسية بالحياة الفاضلة والأخلاق الحميدة بما يكفل التوازن بين احتياجات الجسد والروح ، ومطالب العقل والقلب.

وإذا كانت الصحة العضوية هي خلو الجسم من الأمراض والآلام وسلامة الأجهزة العضوية وأعضائها ووظائفها الفسيولوجية من أية اضطرابات أو خلل أو تشنجات بما يكفل للإنسان النشاط والقوة والحيوية أثناء ممارساته العادية في حياته اليومية.

فإن الصحة النفسية هي خلو النفس من المشاعر السلبية بكافة أنواعها وعلي مختلف درجاتها ومستوياتها بما فيها الحقد والكراهية والغيرة والحسد وسوء الظن والغضب والعدوانية بنوعيها اللفظي والعضوي والتفكير غير العقلاني والاستسلام للشهوات.
وذلك علي سبيل المثال وليس من باب الحصر بما يكفل للإنسان الراحة والرضا والطمأنينة والهدوء والسكينة لنفسه بما ينعكس علي سلوكياته الإيجابية بشكل عام مع المحيطين به والمخالطين له في الأسرة والجيرة وأماكن الدراسة والعمل.

وبناء عليه فإن الاتزان النفسي يدل علي الصحة النفسية الجيدة ويرتبط ارتباطا وثيقا بالأخلاق الحميدة التي توفر سلامة النفس والبدن علي حد سواء.
ولذلك كان رسول الله صلي الله عليه وسلم رائدا وإماما ومعلما ومرشدا ونموذجا وأسوة في مجال الصحة النفسية الجيدة لأن خلقه كان القرآن.

وكذلك كان صحابته الذين يتبعون خطاه ويسيرون علي نهجه وسنته وهداه في مقدمة الأصحاء عضويا ونفسيا في تاريخ السيرة النبوية الشريفة.

وللصوم أثر كبير في تحقيق الصحة النفسية للإنسان .. ففيه تدريب للإنسان علي مقاومة شهواته والسيطرةعليها مما يبث روح التقوي عنده.

” يأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب علي الذين
من قبلكم لعلكم تتقون ” .( البقرة: 183)

واستمرار هذا التدريب النفسي علي ضبط الشهوات والسيطرة عليها يقود الإنسان إلي التحلي بقوة الإرادة، وصلابة العزيمة .. ليس في التحكم في شهواته فحسب وإنما في سلوكه العام في الحياة ، وفي القيام بمسئولياته وآداء واجباته ، ومراعاة الله تعالي في كل ما يقوم به من أعمال.
وفي ذلك أيضا تربية لضمير الإنسان، فيصبح الإنسان ملتزما دائما بالسلوك الحسن الأمين بوازع من ضميره من غير حاجة إلي رقابة من أحد عليه.

وفي الصيام أيضا تدريب للإنسان علي الصبر علي الجوع والعطش والامتناع عن الشهوات مما يعلمه الصبرعلي تحمل مشاق السعي وراء الرزق، وآلام المرض، ومتاعب الحياة وكوارثها.

والصبر من الخصال الإنسانية الحميدة التي أوصي الله تعالي الإنسان كي يتحلي بها حيث أنها تعينه علي مجاهدة النفس ومقاومة أهوائها وشهواتها، ولنا في أنبياء الله أسوة حسنة وقدوة طيبة نقتدي بها.

ومن الفوائد النفسية للصيام شعور الغني بآلام الجوع مما يبعث في نفسه الرحمة والشفقة علي الفقراءوالمساكين مما يدفعه إلي البر والاحسان إليهم .. الأمر الذي يقوي في المجتمع روح التعاون والتضامن والتكافل الإجتماعي.

وللصوم آثار إيجابية كبري في التخلص من المشاعر السلبية المصاحبة للإنسان، كما أنه علاج للإكتئاب والقلق والوساوس حيث أن التقرب إلي الله يمنح أملا في الثواب ، ويجدد الرجاء دائما لدي الإنسان في الخروج من دائرة اليأس، والمشاركة مع الآخرين في الصيام والعبادات والأعمال الصالحة تساعد علي إنهاء حالة العزلة التي يفرضها الإكتئاب.

كما أن شعور الإطمئنان المصاحب لصيام رمضان وذكر الله بصورة متزايدة خلال هذا الشهر يسهم في التخلص من مشاعر القلق والتوتر ويحقق للإنسان السكينة والإطمئنان.

كما أن الصوم يسهم في تقوية إرادة المرضي الذين يعانون من الوساوس القهرية فاستبدال اهتمامهم بهذه الأوهام ليحل محلها الانشغال بالعبادات وممارسة طقوس الصيام والصلوات والذكر مما يعطي دفعة روحية داخلية تساعد المريض علي التغلب علي تسلط الوساوس المرضية.

إن استقامة النفس بالصوم هي الباب الملكي إلي الأمن النفسي وتحقيق التوازن والاعتدال بين حاجات النفس والجسم جميعا.

الصفاء النفسي و استقبال رمضان

الصفاء النفســــــى واستقبال رمضان

 

 د.  ناهد الخراشى

 كاتبة وعضو اتحاد الكتاب

استشاري تدريب و علوم سلوكية و اجتماعية

خبيرة الصحة النفسية

لايف كوتش

المستشار الثقافي للإتحاد العربي لحقوق الملكية الفكرية

 

     .

 

يهل علينا شهر الصوم بنفحاته وأنواره وفيوضاته وفى رمضان تشرق النفس على العطاء والحب والنقاء تستشعر حلاوة القرب فنسعى لتحقيق صفاء ونقاء تشتاق إليه لتنعم فى ظلاله.

 

     والصفاء النفسى درجة من درجات الإيمان ، ونعمة من نعم الله يمن بها على عبده المحب المؤمن حيث يشعر بأن هناك نورا يسرى فى كيانه يهذبه ويصقله ويوجهه إلى كل ما هو خير وفاضل وكريم

 

     ولتحقيقه يتطلب من الإنسان سلوكيات خاصة مثل العفو، والصدق، والصبر، والإخلاص، وكظم  الغيظ والإحسان والرضا مما يدفع الإنسان إلى التحلى بالخلق القرآنى، ومن تحلى بالخلق القرآنى وعرفه حق المعرفة وقاه الله شرور الدنيا وآثامها.

 

     وتفويض الأمر لله، والإحتساب عند الله يمنح الإنسان قوة كبرى.. قوة يستمدها من حبه لله وثقته بالله.. قوة تعطيه القدرة على الصبر وتمنحه الهدوء والسكينة والأمان مما يؤدى إلى صفاء النفس والذهن.

 

     والصفاء إسم للبراءة والتخلص من الهم والكرب والغم والكدر، وهوعلى ثلاث درجات:

 

1- صفاء علم   : وهو العلم الذى جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا العلم الصافى المتلقى

                      من مشكاة الوحى والنبوة، يهذب صاحبه لسلوك طريق العبودية وحقيقتها التأدب

                      بآداب رسول الله صلى الله عليه وسلم والاقتداء به فى جميع الأحوال.

 

2- صفاء حال   : وهذه أعلى مما قبلها وهى ثمرة لصفاء العلم ويذاق به حلاوة التضرع والمناجاة

                      لله سبحانه وتعالى.

 

3- صفاء اتصال: وفى هذه الدرجة يكون الإنسان موصولا بالله بحيث تكون صلته بالله هى اللحظة

                       الممتدة فى حياته بمعنى ان تكون الدنيا فى يدك وليست فى قلبك وأنت الذى

                       تملكها راضيا فى كل الأحوال آملا فى القرب من الله.

 

     وفى الحيقيقة ان صفاء الاتصال سبيل من سبل القرب حيث يرى الإنسان جمال صنع الله فى كل شىء ، ولا يشاهد إلا فى  الحقيقة والحق فى كل موجود وأنه يشعر بنعمة الله وفضله فى كل لحظة.

     فأمنه مع الله وسعادته مع حب الله وذكره فيجعل السالك حبه لله هوالقانون الذى يحكم حياته فيوجهه فى كل تصرفاته وأعماله فتصبح الحياة والعطاء والإحسان والإخلاص والسلوك والعمل كله حبا لله ولمرضاة الله وحده.

 

      والصفاء  النفسى سبب للسعادة فى الدنيا والآخرة وهو يرتبط بالإيمان والحب الإلهى.. فكلما ازدادت محبة العبد لله، ازدادت طاعته وصفا قلبه ، وكلما صفا قلبه فاز بالقرب ، والقرب سبيل إلى المعرفة ومن عرف لزم، وفى الالتزام الخير الكثير.

 

     والصفاء النفسى يحقق للإنسان الإطمئنان والسلام الروحى العميق، وهو طريق إلى الأمن النفسى، والسعادة الكاملة هى السعادة التى تكمن فى حب الله حيث يكون هذا الحب هو القانون الذى يحكم الحياة وهو الموجه لكل الأفعال والسلوكيات، وهو القائد للأخلاق فتنهل المعرفة من نبع الحب الفياض.. حب الله فيصبح هذا  المحب صافيا فياضا عالما بأسرار القلوب، وكنوز المعرفة، وحكمة الحياة بإذن الله وحده وفضله وبسلطان منه وحده.

 

     السعادة الكاملة فى حبه وطاعته وذكره ، والصفاء عند بابه.. والرضا بكل شىء حق علينا.

 

     والإستشعار بنعمة الله وفضله وحمده، فى كل لحظة سبيل من سبل القرب والاتصال الذى يبعث على الصفاء والنقاء والحياة النورانية المشرقة.

 

     وبقدر ما يحصل الإنسان من الصفاء يكون له من الاصطفاء.     

 

 

 

 

 

حاجة الإنسانية إلي الأمن والسلام العالمي

حاجة الإنسانية إلي الأمن والسلام العالمي

إن السلام منشود كل إنسان يسعي لتحقيق النجاح والسعادة، وهو أمل الشعوب لتحقيق التقدم والاستقرار والازدهار.
وإذا أرادت أمة أن تحقق لنفسها تقدماً حضارياً مزدهراً فلابد أن يتوافر الأمن لديها على المستوى الفردي و الإجتماعي، وذلك وفق ما شهد به التاريخ وأكدته تجارب الأمم والشعوب ذات الحضارات العريقة فلا إبداع من دون استقرار، ولا نهضة علمية أو إجتماعية من دون أمن أو طمأنينة تلقح العقول وتشحذ العزائم وتعلي الهمم وتطلق الحريات•

إن الأمن هو أهم الأسس وأبرز القواعد التي يقام عليها صرح الحضارات، وهو اللغة الرسمية التي يتميز بها الفرد المتحضر والمجتمع المتقدم والأمة الواعدة التي تدرك ما ينطوي عليه المناخ الآمن من عوامل حضارية فتية وعناصر ديناميكية فاعلة تقود إلى صنع مجتمع حضاري متقدم يحظى بالاستقرار وينعم بالسكينة ويتفيأ ظلال الأمن وحياة الرفاهية•

ومقصد الأمن الإنساني هو حماية جوهر كل الحياة الإنسانية بطرق ترتقي بالحريات الإنسانية وبتحقيق الذات الانسانية ، ومن ثم فهو يشمل علي حد سواء حماية الناس من التهديدات الخطرة والواسعة الإنتشار وتمكين الناس من أن يتولوا زمام حياتهم ، والسعي إلي حلول شاملة ومتكاملة يكون محورها الإنسان، علما بأن هذه الجهود ليست بديلا عن أمن الدولة بل هي مكملة له.
لا شك إن العالم اليوم يئن من صراعات كثيرة وحروب عديدة بين قوى متنافسة وأفراد متناصرة ومجتمعات ودول معتدية وأن الحالة التي يعيشها الإنسان في هذا العصر تدعونا لإبراز أهمية السلام ومضمونه النفسي والاجتماعي وحاجة الإنسانية إليه ونبذ العنف والإرهاب والحروب التي نشاهدها ونحس بخطرها علي الأمن والسلام العالمي ولتحقيق الأمن كان لا بد من تحقيق السلام.
ومن هذا المنطلق كانت دعوة الأديان والشرائع والقوانين لتحقيق السلم للناس والأمن للمجتمعات والدول أجمعين .
والسلام الذي لا يحقق الخير والعدل والمساواة والحرية والكرامة والسيادة وأمن المجتمع لا يعتبر سلاما وإنما يعتبر دفاعا عن حقوق ذاتية وشرعية غير حقيقية وبالتالي يتحول المجتمع إلي فصائل من الإرهاب والعنف الذي لا يقره مجتمع او أخلاق أو دين ، وهنا أوجب المجتمع ضرورة الحرب والمواجهة والتصدي لكل أنواع الإرهاب لتحقيق الأمن وحفظ السلام.
إن السلام منظومة أخلاقية كلية جعلها الله قانونا في الوجود لخير البشرية، وإذا تصادمت هذه المنظومة مع الذاتية والمصلحة الشخصية حدث الخلل الذي يوجب علي كل مواطن التصدي له لرجوع الحق . فلم يجعل الله السلام من أجل فرد او مؤسسة وإنما جعله لخير مجتمع بل دولة بأكملها بكل مؤسساتها ،إنه السلام الإيجابي الذي يرفع الحياة ويرقيها .. السلام النابع من التناسق والتوافق المؤلف من الطلاقة والنظام الناشيء من إطلاق القوي والطاقات الصالحة ومن تهذيب النزوات والنزاعات لا من الكبت والتنويم والجمود.
السلام الذي يعترف للفرد بوجوده ونوازعه وأشواقه ويعترف في الوقت ذاته بالجماعة ومصالحها وأهدافها وبالإنسانية وحاجاتها وأشواقها ، وبالدين والخلق والمثل .. كلها في توافق واتساق.
ولقد جاءت الرسالات السماوية لإسعاد الإنسانية وتوفير سبل السلام ليحقق للناس العدل وبتوفير العدل يتحقق السلام الاجتماعى الذى يرتكز على القيم والمقومات الأخلاقية التى تقيم السلام للإنسانية.
إن مفهوم العدل الإجتماعي يأخذ شكلا أفقيا ليشمل جميع الأفراد والمجتمعات ، كما يأخذ في نفس الوقت شكلا رأسيا يمثل العلاقة الصحيحة بين الإنسان وخالقه ، وفاعلية هذه العلاقات في وضعها الصحيح هي التي تحفظ علي الأفراد والجماعات أمنهم واستقرارهم.
تتضافر ركائز السلام فى إضفاء جو من الإستقرار والطمأنينة والسكينة والإنسان لا يشعر بنعمة السلام إلا إذا شملت من حوله من الجماعة . فالسلام هو فى الأصل سلام اجتماعى ولا عبرة به إذا لم يعم آثاره حياة الأفراد.
وكي يحقق الإنسان السلام الإجتماعي لا بد من التصالح مع نفسه أولا ويطبق مبدأ تغيير النفس. والتغيير يبدأ من النفس حيث أنها قابلة للصلاح والإصلاح وذلك من خلال التخلي عن الصفات المذمومة والتحلي بالصفات المحمود.
وصلاح النفس مقدمة لصلاح المجتمع حيث تتكامل المنظومة الأخلاقية التي تحث علي العلم والعمل الصالح ومعرفة كل فرد بدوره في الحياة فيعم الأمان والسلام ويحقق كل فرد ما يتمناه وتصبو إليه نفسه من تحقيق الحياة الآمنة المطمئنة.
ولا شك أن المنظومة الأخلاقية تفرض علي الإنسان قانون إفشاء السلام والمسالمة مع الآخر والمسالمة هي صفة العلاقة الوديعة مع الآخر، والمصالحة تعني إنهاء الوضع القتالي وتبديله بوضع تعايشي.
ولقد جاءت التعاليم السماوية لتؤكد علي أهمية القيم الأخلاقية كأساس في قيام المدينة الفاضلة ، وإفشاء السلام هو من هذه المكارم الأخلاقية التي هي سمة من انتمي وسعي لتطبيق التعاليم والتوجيهات السماوية.
وإفشاء السلام يرتكز في عدة امور
1- عدم إيذاء أي إنسان في ماله او في عرضه او في دمه
2- حماية المجتمع المسالم ومقاومة من يهدد سلامه
3- نشر الفضيلة ومكارم الأخلاق في المجتمع
4- بناء المؤسسات التربوية والدينيه والخدمية.

5- تأمين وظائف للعاطلين عن العمل ومحاربة البطالة التي هي من أسباب شيوع الفساد والحالات العدوانية
6- احترام الإنسان الآخر
7- الدفاع عن المظلوم وردع الظالم

لا يمكن إقرار السلام في جماعة لا يتوفر فيها الأمن العام , ولا السلامة لجميع الأفراد.
وفي ظلال هذا الأمن تحيا الدولة القوية التي تحمي الفرد والمجتمع مما يحقق الأمان والسلام
فهذا هو السلام الإجتماعى الذى يحقق الأمن النفسى وتستيقظ به الهمم، وتنمو به الملكات والطاقات لتدفع بالحياة نحو الترقى، وهو نقيض الصراع والحرب والخوف الذى يمنع الناس عن مصالحهم، ويحد من تصرفاتهم، ويعطل طاقاتهم، ويهدم منشآتهم ويوقف حركتهم وجهدهم.
ومما لا شك فيه أن منظومة القيم الإنسانية هي الركيزة التي ترتكز عليها كل الأديان السماوية التي تدعو جميعها إلي الخير والسلام والعدل بين الناس وتحث كل إنسان علي إن يحب لأخيه ما يحبه لنفسه.
وكل هذه القيم الإنسانية تتفق علي حب الحياة والحرص والمحافظة عليها بكل الطرق حتي يعيش الناس في سلام وإخاء ويتعاونوا علي البر والتقوي ، ولا يتعاونوا علي الإثم والعدوان ولا بد من تحديد القيم الدينية في كل الأديان وجعل هذه القيم المشتركة المستخلصة من كل دين أساسا للعلاقات الإنسانية الشاملة وقاعدة للتعايش السلمي بين المواطنين في كل دولة مع الأخذ في الإعتبار الخصوصيات الثقافية والدينية لكل فرد ولا بد من التوحد جميعا والإجتماع علي هدف واحد هو إقامة عالم ينعم بالأمن والسلام بدلا من أن ننقل إلي المستقبل الصراعات والصدامات القديمة، ويجب علينا الوقوف أمام من يستعينون بالعنف لحل المشكلات بدلا من البحث عن حلها من خلال التفاهم والمصالحة المتبادلة لأن تاريخ الإنسانية جمعاء أظهر ان الاستقرار والسلام يجلبان معهما الأمن والرخاء ، بينما الصراعات والحروب تجلبان معهما الألم والفقر.
فالسلام مطلب إنساني للناس جميعا وللأديان بأشملها. والمنظومة الإلهية تقرر أن السلام هو الأصل في جميع الأديان السماوية وينبثق السلام من الحب الإلهي في كل الأديان.
والسلام في فحواه يكمن علي القوة والتسامح ونشر العلم والعدل ليسود الأمن والآمان علي كل المستويات.
ولا شك أن الأمن مطلبا إنسانيا فطريا يستمد جذوره من أهم غريزة وجدت في فطرة الإنسان، وهي غريزة (حب الذات) وهذه الغريزة تعمل مع باقي الغرائز بشكل متناسق لتحقيق سير إنساني متوازن نحو الأهداف العليا للإنسان.
فالأمن إذن حاجة إنسانية دائمة لا تغيرها الظروف، وليست ظاهرة عرضية ، ومن هنا نتصور الحاجة إلي نظام شامل يكفل حماية الأمن الفردي والاجتماعي طوال مسيرة الإنسان. ومن هنا كانت الجهود المبذولة للحفاظ علي حقوق الإنسان كركيزة أساسية لتوفير الأمن الإنساني بصرف النظر عن العقيدة الدينية.

إن الأمن معني شامل في حياة الإنسان، ولا يتوفر له بمجرد ضمان أمنه علي حياته فحسب، فهو كذلك يحتاج إلي الأمن علي عقيدته التي يؤمن بها، وعلي هويته الفكرية والثقافية ، وعلي موارد حياته المادية .
والشعوب تحتاج فضلا عن الحفاظ علي أمنها الخارجي إلي ضمان أمنها السياسي والإجتماعي والإقتصادي، ودون أن يتحقق لها ذلك لا تتمكن من النهوض والتطلع إلي المستقبل بل يظل الخوف مهيمنا علي خطواتها ، ومقيدا لتطلعاتها نحو تحقيق السلام.
إن فرضية الآمن والسلام منبثقة من النتائج والأهداف التي تتحقق علي يد الفرد الآمن والمجتمع الآمن وهي بلا ريب أهداف حضارية تأخذ بيد الفرد والمجتمع إلي التقدم العلمي والسمو الأخلاقي في وقت واحد.
كما يعد الأمن أحد الأسباب التي تذهب عن الأمة كثيرا من عناصر الضعف والسقوط لأنه من ناحية يغرس فيها حمية الوعي بأهمية توافر كل مصادر القوة المتاحة لحفظ الأمن وردع أي محاولة لإنتهاك أمنها واستقراراها ، ومن ناحية ثانية يعتبر حركة دائبة وممارسة فعالة ونشاط متجدد لأن تردده بين الإبتلاء بالقوة والإبتلاء بالضعف يتيح الفرصة لمراجعة الذات وتدارك الخلل وإعادة ترتيب الأوضاع وما أحوج العالم الإنساني إلي ذلك؟
إن السلام العالمي مهدد، ولن ينفذ هذا السلام إلا بدعوة عالمية إيمانية تتجلي فيها روح السلام تسوده المودة والحب في كل مكان.. فإذا كنا مختلفون في الدين فإننا متفقون في الأصل الإنساني وهو كافيا للتعارف بين الشعوب والقبائل..وهذه هي الخطوة الأولي لصنع السلام.. سلام يقوم علي الحب والوئام والتعارف والتعاون في مختلف الميادين والمجالات.
إن الطريق إلى السّلام إذن، طريق صعب وشاق وملئ بالأشواك والمخاطر، خاصة في هذا الزمن الذي يسيطر فيه الإنسان المحارب، والإنسان التجاري على مقاليد الحكم في العالم، وفي نفس الوقت هو طريقا سهلا إذا توافرت الرغبة، الرغبة في الاعتراف بالآخر واحترامه، مهما كان جنسه ولونه ودينه، وهذا كله يحتاج إلى الإرادة، إرادة التحرر من إرث الماضي المعبأ بثقافة الحقد والكراهية، ومد جسور مستقبلية قائمة على الحب والتعايش والتسامح، كما أنه يحتاج إلى إرادة قوية في مقاومة مشاريع من يريدون جرّ البشرية إلى الإنتحار في سبيل تحقيق رغبات وطموحات أنانية.
مما سبق يتبين لنا أن الإنسانية في أشد الحاجة لتحقيق السلام، ولن يتحقق أمن الإنسان إلا بتحقيق منظومته الأخلاقية مع نفسه وأسرته ومجتمعه حتي يتحقق السلام الإجتماعي الذي يقود الأمة إلي الإزدهار والتآلف مع الشعوب الأخري مما ينمي الشعور بالإنتماء إلي السلام والأمان والتوافق النفسي ويحقق للدول والمجتمعات السلام العالمي الذي يصنع أفرادا ذوي قيم وأخلاقيات ومثلا ومباديء راقية تعرف معني الحوار ولديها أدب الخلاف دون تعصب ودون إراقة الدماء فيصبحون صناعا للسلام والأمان الإنساني.

طلاقة المشيئة الإلهية و القدرة الربانية

طلاقة المشيئة الإلهية والقدرة الربانية

 

     إن الحديث عن طلاقة المشيئة الإلهية والقدرة الربانية حديث فياض لا ينتهى، تعجز الكلمات أن تصفه، والسطور أن تشمله، والصفحات أن تحتويه.

 

     فالمشيئة الإلهية مشيئة مطلقة لا تقف عند حد، والإرادة الربانية إرادة نافذة لا يعجزها شىء فى السماء أو فى  الأرض، والأمر الإلهى أمر قائم .. به يتحقق الشىء الذى يريده  الله عز وجل فيكون أمرا واقعيا.. لله وحده سبحانه الأمر من قبل ومن بعد.

 

قال الله تعالى:

 

               ” انما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له

                  كن فيكون . فسبحان الذى بيده ملكوت

                  كل شىء وإليه ترجعون”

                                                                               ( يس: 82-83)

 

     وطلاقة المشيئة الإلهية ، وعظمة القدرة الربانية تقودنا إلى المعجزة الكبرى التى أفاض الله عز وجل بها على عبده ورسوله  الكريم محمد صلى الله عليه وسلم ألا وهى معجزة الإسراء والمعراج، وهى معجزة هدفها تكريم الرسول فى شخصه حيث أصدر الحق تبارك وتعالى أمره إلى الروح الأمين جبريل عليه السلام أن يصحب عبده محمد صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ثم يصعد به إلى السماء ليرى من آيات ربه الكبرى.

 

     سار رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الروح الأمين جبريل عليه السلام فى  هذه الرحلة المباركة حيث وصلا إلى بيت المقدس وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأنبياء إماما بالمسجد الأقصى، ثم تجاوز السموات السبع حتى وصل إلى سدرة المنتهى، وهناك شاهد جنة  المأوى وشاهد ما لانعرف ، ولا نفهم، ولا نتصور.

 

               ” إذ يغشى السدرة ما يغشى”

 

     وعند سدرة المنتهى رأى رسول الله جبريل على صورته الملائكية التى خلقه الله عليها… ولم تكن رحلة المعراج قد انتهت وكان لها بقية وأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم من جبريل أن يتقدمه ولكن جبريل امتنع قائلا:

        

               ( هكذا مقامى لو تقدمت لاحترقت

                 وأنت يارسول الله لو تقدمت لاخترقت)

 

ولنقف عند هذه الجملة وقفة تأملية حيث أنها تعطينا مغزى هام وهو أن قوانين ملائكية جبريل عليه السلام لا تسمح له إلا بالوصول إلى سدرة المنتهى التى ينتهى عندها علم الخلائق كلها حيث أنه إذا تقدم فإن قانونه لا يتحمل فيحترق.

 

     ومعنى ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وصل إلى درجة لا يتحملها ملائكية جبريل عليه السلام فأصبح رسولنا الكريم وحده الذى يستطيع أن يتقدم وان يخترق.

 

     وهذه لمسة حنان من الله سبحانه تعالى إلى عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم ودرجة من درجات الآخرة، وفى هذا الموقف العظيم فرضت الصلاةعلى المسلمين.

 

     ثم صعد ر سول الله صلى الله عليه وسلم حتى وقف بين يدى جبار السموات والأرض ورحمن

الدنيا ورحيم الآخرة، وفى هذا الموقف العظيم فرضت الصلاة على المسلمين.

 

     وكان الموقف مزيجا من الجلال والمهابة والرحمة، ولقد تجاوز السياق القرآنى ما رآه النبى

صلى الله عليه وسلم لأنه سر بين النبى وربه، ومعجزة خاصة بالنبى وتكريم لشخصه وحده.

 

     أيسأل الناس بعد كل ذلك كيف صعد الرسول  بالروح والجسد إلى قمة القمم فى السماء…

أى معجزة هنا تزيد على معجزة النطفة إلى إنسان.. أو معجزة تحول البذرة إلى شجرة.. أو معجزة إحياء الماء للأرض .. أو معجزة الحب الذى يربط بين قلبين دون سابق معرفة.

 

     إنها قدرة الله فهو وحده القادر على كل شىء، وعندما يرجع الشىء إلى قدرة الله ومشيئته سبحانه فلا يمكن إخضاع هذه القدرة إلى المقياس الدنيوى والقوانين الحاكمة لأنها قدرة مطلقة

لا يحدها شىء ولا يقيدها أسباب أو زمان أو مكان فليحذر كل فرد من الوقوع فى مصيدة كيف.. إنها مشيئة الله وقدرة الله وسلطان الله وبيده وحده الأمر كله ، وإذا أراد شيئا يكون بإذنه أمرا واقعا.

 

     إن معجزة الإسراء والمعراج معجزة ربانية وما أكثر المعجزات الربانية التى وهبها الله لأنبيائه وهى لمسة من المسات الحنان الإلهى على عبده ورسوله المصطفى، وما أعظم لمسات الحنان      الإلهى على الوجود كله.

 

     إنها معجزة شملت وجمعت بين طلاقة المشيئة الإلهية وعظمة القدرة الربانية حيث تجلت المشيئة الإلهية فى إرادة الله وإصداره تبارك وتعالى الأمر إلى الروح الأمين جبريل عليه السلام ليصعد بالنبى إلى السموات العلا…  …  … وتبلورت القدرة الربانية فى تنفيذ وتحقيق هذا الأمر الإلهى ليصبح أمرا واقعا حيث أسرى بالرسول الكريم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصي، وصعد به إلى السموات السبع حتى وصل إلى سدرة المنتهى حيث الحضرة الإلهية وسجود النبى الكريم لرب الكون والعالمين الله الواحد لا اله الا هو رب العرش العظيم.

 

     وإذا تأملنا وسمحنا لأنفسنا وفتحنا الباب لعقلنا وفكرنا لأن يتعمق أكثر وتركنا القلب على فطرته وسجيته لكى يشهد ويتأمل فى هذه  المعجزة الإلهية العظيمة لوجدناها معجزة تنطوى أيضا على كشف جزء من الغيب فى العالم الآخر لرسوله الكريم حيث كشف الله سبحانه وتعالى له السموات حيث تجاوزها سماء سماء، ورأى الأنبياء جميعا وصلى بهم إماما، وشاهد صورة الروح الأمين جبريل عليه السلام على صورته الملائكية التى خلقه الله عليها ثم وصل إلى سدرة المنتهى ورأى جنة المأوى.

 

     إن معجزة الإسراء و المعراج آية ربانية ودعوة إلهية تدعو القلب والعقل والفؤاد والجسد والروح والكيان الإنسانى كله إلى التأمل والتدبر والتبصر والتفكر… فإذا استجاب الإنسان لهذه الدعوة الإلهية خرج منها أكثر إيمانا بالله، وأشد خشوعا لله.. مملوءا بحب عظيم لله وللرسول الكريم شاهدا على عظمة الله، وقدرة الله، ووحدانية اللـــــه.