مقالات

1 2 3 5

آداب العيد والوصلة مع اللــه

انقضى رمضان ولازالت روحانياته وأجواء صفائه تنبض فى سرائرنا وأنفسنا ، والعبد المؤمن المحب لله هو الذى يسعى للمحافظة على هذا الصفاء الروحى حتى بعد رمضان ويجعل عهده مع الله فى رمضان بهجر المعاصى وتجديد التوبة والتقرب إلى الله بالصوم وقيام الليل وتلاوة القرآن الكريم عهدا قائما متجددا عبرالأيام بحب الله والإيمان القائم على الصراط المستقيم.

 

ويشرق علينا عيد الفطر المبارك ببهجته وفرحته حيث جعله الله عز وجل فى نهاية الشهر الكريم ليفرح الصائمين والطائعين بطاعتهم لله عز وجل.

 

ويعرف يوم عيد الفطر بيوم الجائزة وإنما يسمى العيد عيدا لعودته وهو دعوة من الله تعالى على موائد رحمته وهو إشعار بالفرحة بعد تمام النعمة.

 

فمن أتم صيامه وقيامه، وبذل فيه من العطاء ابتغاء مرضاة الله عز وجل وأعطى من حرمه ووصل من قطعه، وعفا عمن ظلمه فيه قول الحق عز وجل

 

” قد أفلح من تزكى”   ( الأعلى: 14)

 

وذلك هو الفوز العظيم ….

 

وتتجلى فى آداب عيد الفطر المبارك السلوكيات والأخلاق الحميدة منها:

–    الاغتسال والتطيب وارتداء أحسن الثياب

–    كثرة تكبير الله حمدا وشكرا على تمام النعمة حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:-

 

” زينوا أعيادكم بالتكبير”  ( رواه احمد)

 

–    تجديد صلة الأرحام من خلال التهنئة بالعيد والمشاركة الوجدانية بالاحتفال بعيد الفطر

المبارك.

–    غرس المحبة والعمل على إكرام الأيتام، وإطعام الفقراء.. وسد حاجة المحتاجين

–    الحرص على الطاعات التى تعودها العبد فى رمضان.

–    الدعوة إلى التسامح ونبذ الخلافات التى تبعدنا عن طريق الله، والكف عن المشاجرات

والتخلى عن الضغائن والعداوات التى تفسد علينا طاعتنا لله عز وجل.

–         ادخال السرور والبهجة والانشراح الى النفس.

 

 

 

إن مسحة علي شعر يتيم هي عيد، ولمسة وفاء تقدمها لوالديك هي عيد، وكل كلمة

طيبة تؤثر بها وتهديها إلي الأخرين هي عيد.

 

ولكى نحقق الحب والسلام والتعاون على البر والتقوى يجب أن يكون عيد الفطر عيدا للوفاء والإخلاص والصدق والهجرة إلى الله بقلوبنا وأنفسنا وسلوكياتنا وأخلاقياتنا.

 

والعيد الحقيقى للإنسان يوم أن تكون علاقته بالله متميزة، وهدفه فى كل سلوكياته وافعاله وجه الله.

 

فكل يوم يمر عليك دون أن تعصى الله فهو عيد.. وهكذا تتحقق لك الوصلة مع الله.

 

العيد.. رسالة من الله تعلمنا معنى الوصلة

 

جعل الله لنا من أيامنا رسالة دائمة تخاطبنا وتحدثنا، وجعل لنا عيدا يعلمنا معنى الوصلة.. يعلمنا أن الذى يعرض نفسه لنفحات الله يوصل بالله فيكون فى عيد، وفى فوز وفرحة لأنه وصل بالله وكان أهلا لرحمة الله.

 

العيد بما فيه من آداب وسلوكيات وأخلاقيات رسالة من الله إلينا تعلمنا بأننا يوم أن نعد أنفسنا حقا.. نكون أهلا للوصلة، وأهلا للرحمة، وأهلا للنعمة وهذا هو العيد الحقيقى الذى يكسب الإنسان فيه وجوده فيكون هذا عيده، وفوزه، ونجاته.

 

وسبيلنا فى ذلك التأمل فيما أصبحنا عليه، وصرنا إليه، لنقوم حالنا، ونقوم وجودنا إلى ما فيه الخير والفلاح والحق والصلاح مدركين اهمية أن نجاهد أنفسنا فى جميع الاتجاهات سواء فى خارجنا أو داخلنا.

 

فى خارجنا نبحث ونتعلم ونفعل ما هو أحسن وما هو أقوم. وفى داخلنا نقوم ما فيه من صفات لنجعلها كلها فى مقام العبودية لله.

 

فلنعود الى أصولنا وننهل من منابعنا بعقل متفتح وبقلب خاشع ذاكر طاهر حتى تمس المعانى قلوبنا فنخرج مما نحن فيه الى الأفضل والأحسن والأقوم.

 

إن العيد حقا لنا كأمة أودعها الله كتابه وسنة نبيه الكريم هو يوم تحيا قلوبنا.. تنبض بذكر الله.. وتنير عقولنا فنفكر فى آيات الله وآلائه.. وتزكى نفوسنا فلا تأتى بفعل إلا فى طريق الله … وحبا لله.

 

ألسنتنا تذكر الله.. حين تقول حقا وصدقا، واقدامنا تسعى فى طريق الله، وايدينا لا تقدم الا ما هو خير وصالح  ليقربنا الى الله.

 

عيوننا تبصر فتشهد ما فينا من نعمة الله وفضل الله وسر الله … تبصر ما أودع الله فينا من طاقات وإمكانات وما أودع فينا من أسرار ومعنويات وكنوز هي هبة منه سبحانه.

…  فينا نور الحق .. نور البصيرة.. نور الفطرة التي تهدينا إلي ما هو خير وقويم  …

 

آذاننا تسمع القول فتتبع أحسنه .. حقا .. فهى أذن واعية.. تعى الحق.. وتميز الخير.. وتتجه للأحسن والأقوم.

 

تحيا جوارحنا بذكر الله.. بالسعى فى طريق الله. وتنبض سلوكياتنا وأفعالنا في كل لحظة بالشكر والحمد له سبحانه  وتجديد النية له سبحانه بأن تكون قبلتنا إليه ولمرضاته وحده في

كل قول وسلوك وعمل وتصرف وخلق.

 

عيدنا حق يوم نعرف الطريق ونعرف المنهج الذى به نحول كل حياتنا .. وكل قيامنا وكل أفعالنا إلى حياة.. إلى بقاء .. إلى عمل حى دائم.. يمتد من دار الفناء الى دار البقاء.

 

(ووجدوا ما عملوا حاضرا )    ( الكهف : 49)

عيدنا حقا يوم تجتمع القلوب على ذكر الله، وتتآلف قلوبنا فى مقصود واحد وهدف  واحد..  فتكون نواة خير وفلاح وصلاح وإصلاح.. لمجتمعاتنا .. وللبشرية جمعاء.

 

عيدنا حقا يوم نكون مصدر حق وخير.. ونور.. ومصدر معرفة تنير للعقول طريقها.. وتمهد للأفكار اتجاهها.. تصوب المفاهيم البالية .. وتضع أسسا صالحة لفهم مستقيم فى دين الفطرة ودين الحياة.. تنفض عن نفسها غبار التجمد ، والتأخر ، والضعف  .

 

عيدنا حقا يوم يستيقظ الناس من غفلتهم ويفيقوا من كبوتهم ، فيسألوا الله فى أفعالهم وأعمالهم ويتعاملون مع الله فى كل احوالهم.

عيدنا حقا يوم نتخلي عن الصورة والشكل ونتأمل ونتفكر  في جوهر دين الحق الذي يقوم به الميزان.

عيدنا  أن نكن أمة وسطا تدعو للخير، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر.. قياما حقا.. ووجودا صالحا.

وهكذا نكن فى عيد الفطر.. آداة حب وسلام و رحمة تمتد إلى لحظات العمر فيصبح كل يوم نحقق فيه الوصلة مع الله.. هو عيد ينير حياتنا ويضىء عقولنا هدى ونورا وعملا صالحا.

 

 

 

جائزة الصائمين والطائعين

بعد أيام قليلة يغرب عنا شهر رمضان المبارك وتغرب معه احياء لياليه والصيام وقيام الليل الا عن الصائمين والطائعين الذى يجعلون من رمضان امتدادا لأداء النوافل من الصوم وقيام الليل وتلاوة القرآن فى غير رمضان تقربا الى الله.

ويشرق علينا عيد الفطر المبارك ببهجته وفرحته فهو عيد وفرحة ويعد جائزة الله الى الصائمين والطائعين على صومهم وقيامهم الليل وتقربهم اليه سبحانه فى هذا الشهر الكريم.

واذا كان عيد الفطر هو جائزة للصائمين، فان كل طاعة لله عيد للطائعين.. وأجمل عيد فى حياة الانسان اما تكون علاقته بالله متميزة، وكل يوم يمر عليك دون أن تعصى الله فهو عيد.

ولنبدأ احتفالنا بعيد  الفطر باحياء ليلته قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

( من اقام ليلة العيد ايمانا واحتسابا لم يمت قلبه حين تموت القلوب)  أخرجه ابن حاجة)

ولنحيى سلوكياتنا ونهذب أخلاقياتنا بآداب العيد حيث الدعوة الى التسامح والتصالح مع أنفسنا أولا ثم الآخرين ونبذ الخلافات التى تبعدنا عن طريق الله وهجر المعاصى وتجديد العهد مع الله بأن يكون نهاية رمضان جسرا نستكمل فيه مشوارنا مع حب الله فيكون عيد الفطر عيدا للوفاء والاخلاص والصدق والهجرة الى الله بقلوبنا وأنفسنا وسلوكياتنا واخلاقنا.

وهكذا يتحقق البعد الروحى العميق فى العيد حيث يتسامى المسلمون ويستشعرون آثاره المباركة فى التعاون والاخاء والحب.

ولنا فى هدى رسول ا لله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة وعظة جميلة حيث دعا المسلمون للمشاركة فى حضور صلاةالعيد رجالا ونساءا لاستشعار البهجة والسرور الى النفس ولاجتماع الأقارب والأصدقاء للتهنئة بالعيد مما يحقق التسامى والتعاون وبذلك يتحقق للمسلمون فى ذلك

اليوم المشاركة الوجدانية التى تشرق بنبضات الايمان فى حب الخير والصلاح والتقوى.

فليست الأعياد فى الاسلام ذكريات مضت بل كل مسلم له بالعيد صلة وواقع متجدد على مدى الحياة

واظهار السرور والبهجة فى النفس فى العيد من الشريعة التى شرعها الله لعباده وترويح البدن وبسط النفس بما ليس محظورا أو شاغلا عن الطاعة من أدب العيد.

ان مسحة على شعر يتيم هى عيد، ولمسة وفاء تقدمها لوالديك هى عيد، وكل كلمة طيبة تؤثر بها وتهديها الى الآخرين هى عيد.

ان أحزان الأيام وآلامها تهون امام رضا الله عليك ..

من السهل أن يصنع المسلم كل يوم عيد بأقواله وأفعاله وقيمه ومبادئه فتصبح الأعياد التى صنعها المسلم قيمة تضاف الى الأعياد العظيمة التى شرعها الله

وهكذا نجعل من عيد  الفطر نهرا متجددا خصبا من الحب والوفاء والولاء على مدى الأيام

اقـرأ باسـم ربـك في رحاب ليلة القدر

اقـرأ باسـم ربـك في رحاب ليلة القدر

كانت هذه الآية الكريمة هي اشراقة فجر جديد .. اشراقة النور الاسلامي حيث نزلت في ليلة مباركةأسماها الله عز وجل ” ليلة القدر” فقال سبحانه وتعالي:

” انا أنزلناه في ليلة القدر”(القدر:1)

ثم أخذ الله سبحانه وتعالي يبين فضلها فقال:
” وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من الف شهر
تتنزل الملائكة والروح فيها من كل أمر، سلام هي حتي مطلع الفجر”(القدر:2-5)

ومن أجل هذا الفضل العظيم ، كان رسول الله صلي الله عليه وسلم يستعد لها بالعبادة، ويهييء الجوالروحي المناسب لنزول الملائكة والروح والمناسب للسلام القلبي الذي هو ثمرة التوبة، والانابة،والتقوي، والذي هو اطمئنان النفس الي الله.

وهي ليلة تتجلي فيها الروحانية بقراءة القرآن ، والصلاة، والذكر، وتنزل فيها الملائكة طائفة بالذاكرين،مستغفرة لهم، ومصلية عليهم ، ومبشرة لهم.

عن أنس رضي الله تعالي عنه، أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال:
” أذا كان ليلة القدر، نزل جبريل في كبكبة من الملائكة،
يصلون ويسلمون علي كل عبد قائم أو قاعد ، يذكر الله تعالي”.

ان أنوار المؤمنين المتبتلين في تلك الليلة، تتلألأ متألقة فيما بينهم وتمتزج فتجذب بتلآلئها الأرواح الملائكية، فتقترب من المتعبدين، فتزيد في الصفاء، فيكون انشراح الصدور، ووضع الأوزار التي تنقضي الظهور، ويكون غسل القلب بالماء والثلج والبرد، وتتوفر بكل ذلك وسائل التعرض لنفحات الله.

” ان لربكم في أيام دهركم نفحات ، ألا فتعرضوا لها ”

وليلة القدر من نفحات الله التي يستجاب فيها الدعاء، وتغفر الذنوب للتائبين المنيبين ، وهي في أوتارالعشر الأواخر من رمضان.

ولقد أخفي الله سبحانه وتعالي تحديد ليلة القدر لحكمة هي:
احياء عدد من الليالي في طاعة الله، التماسا لها ، أما هذا الذي وهبه الله التوفيق، فأحياها ملتمسامرضاة الله فان الله يغفر له ما تقدم من ذنبه.

والانسان الذي يسلم الاسلام الحقيقي الذي يرضي عنه الله، هو الانسان الذي كيـف حياته لتكون قراءة باسم ربه خلقا وسلوكا.

ولقد حرص الرسول صلي الله عليه وسلم طيلة حياته علي أن تستمر المنابع التي يستقي منها المسلمون صافيا صفاء مطلقا، وعلي أن تستمر القراءة ” باسم ربك” لا تستقي الا من المنابع الاسلامية الصافية.

وأول منبع هو القرآن الكريم الذي نزل في شهر رمضان، وبذلك يكون شهر رمضان هو شهر القرآن،وقراءة القرآن فيه من أسمي القربات حيث الهدي والنور والتمييز بين الحق والباطل.

وقال رسول الله صلي الله عليه وسلم أن:
” أهل القرآن هم أهل الله وخاصته”.

وعن جلاء القلوب قال صلي الله عليه وسلم:
” ان القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد”
فقيل يارسول الله، وما جلاؤها؟ فقال: تلاوة القرآن وذكر الموت.

ومن نفحات القرآن التدبر فيه ، وللتدبر صفات وشروط منها:
1- النية الخالصة لله سبحانه وتعالي
2- الدخول علي القرآن بتفسير طالب العلم المحتاج الفقير الي ما في القرآن.
3- الوضوء
4- صلاة ركعتين
5- جلوس بهيئة الصلاة وتفريغ المكان والذهن.
6- التخلية من علائق الدنيا
7- الشعور بالافتقار
8- الدعاء الي الله والطلب منه بالفتح فهو سبحانه خير الفاتحين
9- مقابلة الكلمات ببعضها في المواضع المختلفة
10- محاولة فهم اللفظ في سياق الآية.
11- المحايدة التامة
12- التوقف فيما لا نعلمه.

ومع التدبر يشرق الفهم بأنواره، وهو أن يستوضح كل آية ما يليق بها، اذ القرآن يشتمل علي ذكر الله عز وجل ، وذكر أفعاله ، وذكر أحوال الأنبياء عليهم السلام ، وذكر أحوال المكذبين لهم،وأنهم كيف أهلكوا ، وذكر أوامره وزواجره، وذكر الجنة والنار.

فالقرآن ربيع المؤمن ، كما أن الغيث ربيع الأرض.
وهو شفاء ورحمة للمؤمنين.. رحمة واسعة مستمدة من الرحمن تسع السموات والأرض.

فلنتلمس ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان، ونحييها ذكرا وصلاة واستغفارا وتدبرا للقرآن وتفهما لمعانيه ولتكون قراءتنا في هذه الليالي المباركة باسم ربنا حبا ومرضاة له وحده حتي نفوز بالمغفرة الكبري والرحمة والواسعة وبذلك نكون قد حققنا ما تهدف اليه ” اقرأ باسم ربك” من معاني وتجليات واشراقات بهدف الوصول الي العبودية الكاملة في هذه الليالي المباركة.

آداب وأخلاق الصيام

هل علينا شهر رمضان المبارك بنفحاته وتجلياته الروحية التى تشرق على النفس والقلب لمسات الحنان الالهى ونسمات السلام الروحى والصفاء القلبى والأمن النفسى .

وزينة شهر رمضان لا تتمثل فقط فى الابتعاد عن المأكل والمشرب والشهوة وانما فى الخلق والآداب والسلوكيات التى يجب أ ن يتحلى بها الصائم حتى يفوز بالجائزة الربانية حيث قال الله عز وجل:

( كل عمل ابن آدم له الا الصيام

فانه لى وأنا أجزى به)

والفائز بثواب الله هو الذى يرتقى فى رمضان خلقا وسلوكا وآدابا ونسكا وعبادة وبرا واحسانا وتسامحا حبا لله وحده

لذا علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أخلاق الصائمين، وبين لنا عظم فضل رمضان، وحثنا على أبواب الخير التى تتجلى فى هذا الشهر الكريم.

ففى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سلمان رضى الله عنه قال:

خطبنا رسول ا لله صلى الله عليه وسلم فى آخر يوم من شعبان فقال:

( يأيها الناس قد أظلكم شهر عظيم مبارك.. شهر فيه ليلة القدر خير من الف شهر شهر جعل الله صيامه فريضة، وقيام ليله تطوعا.. من تقرب فيه بخصلة من الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه، وهو شهر الصبر، والصبر ثوابه الجنة، وشهر ا لمواساة، وشهر يزاد رزق المؤمن فيه. من فطر فيه صائما كان مغفرة لذنوبه وعتق رقبته من النار، وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيئا)

(  رواه ابن خزيمة والبيهقى وابن حيان)

كانت هذه ا لخطبة جامعة، واضحة المعنى، جلية الأسلوب.. استوعبت كل ما يمكن أن يوجه الى المسلمين لاستقبال شهر رمضان.. فيها اشارة الى مسالك البر وفضائل النفس التى تكتسب فى هذه الأيام المباركة حيث يحظى هذا الشهر بألوان من الطاعات والخيرات اذ يبتعدون الناس عن المعاصى وكل ما يغضب الله ويتقربون الى الله بالطاعات والاحسان والحب والبر والخير وأداء النوافل

ومن يتأمل فى وصايا الرسول صلى الله عليه وسلم للصائمين يجد انها تكمن دائما الى الدعوة اليهم بالخلق بأخلاق الله،  والتأدب بأدب رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم فيكون الوقار والسكينة شعارهم فلا تصدر إلا الكلمة الطيبة، والنصيحة الصادقة ، ولا تكن النفوس الا الألفة والمحبة والصفاء.

ولقد وجهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الى أن نستكثر فى شهر رمضان من أربع خصال فيها الخير كله اذ قال عليه الصلاة والسلام:

( استكثروا فيه من أربع خصال:

خصلتين ترضون بهما ربكم عز وجل وخصلتين لا غنى لكم عنهما، أما الخصلتان اللتان ترضون بهما ربكم عز وجل:

فشهادة أن لا اله الا الله وأن تستغفروه، وأما الخصلتان اللتان ترضون بهما ربكم فتسألون الله تعالى  الجنة وتعوذون من النار.. ومن سقى صائما سقاه الله تعالى من حوض شربة لا يظمأ حتى يدخل الجنة)

والصيام يحقق الخشية من الله والرقابة الذاتية التى تجعل المسلم يدع طعامه وشرابه من أجل الله، وما أحوجنا فى هذه الأيام أن نتزود بزاد التقوى لنكون رقباء على أنفسنا لا نخشى إلا الله، ولا

نسلك إلا الخير حبا لله، ولا نقول إلا صدقا، ولا نتأدب الا بآداب رسول ا لله صلى الله عليه وسلم

ونتحلى بخلقه الكريم الذى وصفه الله عز وجل أنه الخلق العظيم

إن الغاية العظمى من تشريع العبادات هو تحقق كمال العبودية لله عز وجل، ولا بد أن يظهر ذلك فى أخلاقيات المسلم، وقد حضر وقصر النبى صلى الله عليه وسلم رسالته على اتمام مكارم الأخلاق حيث قال عليه الصلاة والسلام:

” انما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”

ومن آداب وأخلاق ا لصيام وأثره فى الإرتقاء بالأخلاق وتهذيب السلوك الإخلاص لله وحده، والتقوى، والوقاية من الآثام، التقييم وتقويم الذات، الصبر، احترام الوقت، الدعاء وآدابه، تعويد النفس على البذل، احياء سنة الاعتكاف، الاعتدال فى الطعام والشراب، التعجيل بالافطار، ضرورة السحور والاستزادة من فعل الخيرات، الترابط  العائلى والتعاون، غض البصر، وحفظ اللسان، وكف السمع عن الاصغاء الى كل مكروه وغيرها من الآداب.

وليكن شهر رمضان فرصة متجددة لنا لأن نجدد العهد مع الله فنتوب عن المعاصى، ونهجر الآثام، ونحقق جوهر الصيام فى الابتعاد عن المأكل والمشرب، ونتزين بآداب وخلق الصيام فننعم بالبركة فى كل شىء ويتحقق لنا التوازن النفسى والسلام الروحى الذى هو ميزان الحياة.

صفاء النفس.. واستقبال رمضان

فتصبح الحياة حبا .. والعطاء نورا.. والسلوك الي الله أمنا وسلاما.. فيحيا القلب في

فيض رباني.

هل هو الحب أم الحنان أم الرحمة أم الرضا أم السلام؟

أم هو النور الذي وهبه الله له لينير طريقه فيسجد الكيان الانساني حامدا شاكرا عاجزا عن الوفاء لا يعرف غير انها لحظات من الصفاء تسمو به الي نورانية في رحاب الله .. وفضلا من

عند الله

***********************

يهل علينا شهر الصوم بنفحاته وأنواره وفيوضاته وفى رمضان تشرق النفس على العطاء والحب والنقاء تستشعر حلاوة القرب فنسعى لتحقيق صفاء ونقاء تشتاق اليه لتنعم فى ظلاله.

والصفاء النفسى درجة من درجات الايمان ، ونعمة من نعم الله يمن بها على عبده المحب المؤمن حيث يشعر بأن هناك نورا يسرى فى كيانه يهذبه ويصقله ويوجهه الى كل ما هو خير وفاضل وكريم.

ولتحقيقه يتطلب من الانسان سلوكيات خاصة مثل العفو، والصدق، والصبر، والاخلاص، وكظم  الغيظ والاحسان والرضا مما يدفع الانسان الى التحلى بالخلق القرآنى، ومن تحلى بالخلق القرآنى وعرفه حق المعرفة وقاه الله شرور الدنيا وآثامها.

وتفويض الأمر لله، والاحتساب عند الله يمنح الانسان قوة كبرى.. قوة يستمدها من حبه لله وثقته بالله.. قوة تعطيه القدرة على الصبر وتمنحه الهدوء والسكينة والأمان مما يؤدى الى صفاء النفس والذهن.

والصفاء اسم للبراءة والتخلص من الهم والكرب والغم والكدر، وهوعلى ثلاث درجات:

1- صفاء علم   : وهو العلم الذى جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا العلم الصافى المتلقى

من مشكاة الوحى والنبوة، يهذب صاحبه لسلوك طريق العبودية وحقيقتها التأدب

بآداب رسول الله صلى الله عليه وسلم والاقتداء به فى جميع الأحوال.

2- صفاء حال   : وهذه أعلى مما قبلها وهى ثمرة لصفاء العلم ويذاق به حلاوة التضرع والمناجاة

لله سبحانه وتعالى.

3- صفاء اتصال: وفى هذه الدرجة يكون الانسان موصولا بالله بحيث تكون صلته بالله هى اللحظة

الممتدة فى حياته بمعنى ان تكون الدنيا فى يدك وليست فى قلبك وأنت الذى

تملكها راضيا فى كل الأحوال آملا فى القرب من الله.

وفى الحيقيقة ان صفاء الاتصال سبيل من سبل القرب حيث يرى الانسان جمال صنع الله فى كل شىء ، ولا يشاهد الا   الحقيقة والحق فى كل موجود وانه يشعر بنعمة الله وفضله فى كل لحظة. فأمنه مع الله وسعادته مع حب الله وذكره فيجعل السالك حبه لله هوالقانون الذىيحكم حياته فيوجهه فى كل تصرفاته وأعماله فتصبح الحياة والعطاء والاحسان والاخلاص والسلوك والعمل كله حبا لله ولمرضاة الله وحده.

والصفاء  النفسى سبب للسعادة فى الدنيا والآخرة وهو يرتبط بالايمان والحب الالهى.. فكلما ازدادت محبة العبد لله، ازدادت طاعته وصفا قلبه ، وكلما صفا قلبه فاز بالقرب ، والقرب سبيل الى المعرفة ومن عرف لزم، وفى الالتزام الخير الكثير.

والصفاء النفسى يحقق للانسان الاطمئنان والسلام الروحى العميق، وهو طريق الى الأمن النفسى، والسعادة الكاملة هى السعادة التى تكمن فى حب الله حيث يكون هذا الحب هو القانون الذى يحكم الحياة وهو الموجه لكل الأفعال والسلوكيات، وهو القائد للأخلاق فتنهل المعرفة من نبع الحب الفياض.. حب الله فيصبح هذا  المحب صافيا فياضا عالما بأسرار القلوب، وكنوز المعرفة، وحكمة الحياة باذن الله وحده وفضله وبسلطان منه وحده.

السعادة الكاملة فى حبه وطاعته وذكره ، والصفاء عند بابه.. والرضا بكل شىء حق علينا.

والاستشعار بنعمة الله وفضله وحمده، فى كل لحظة سبيل من سبل القرب والاتصال الذى يبعث على الصفاء والنقاء والحياة النورانية المشرقة.

ويستقبل العبد المحب لله رمضان بصفاء النفس ، ونقاء القلب ، وسلام الجسد والروح …

فيعقد هدنة مع المناقشات والجدال، وطول الغياب خارج المنزل وكثرة الارتباطات، وهدنة مع كثرة

النفقات والتبذير والهموم .. ويتصالح مع نفسه فيتخلص من سموم القلب وامراض الرياء

ويستعد في رمضان:

–             بالعمل الصالح حيث انه عبادة في رمضان

–             النشاط في رمضان حيث يعتاد البعض الكسل والنوم والخمول.. هل اصبح رمضان مبررا

للكسل والتواكل.

فاذا كان العمل في غير رمضان .. عبادة فهو في شهر رمضان عبادة أكبر.

–             التخلي عن السب والشتم وايذاء الآخرين بحجة انه صائم

–             الحرص علي آداء العبادات من صلاة وصيام وصدقة وزكاة وذكر ودعاء وتلاوة القرآن الكريم.

وهكذا تفتح الأبواب لاستقبال السكينة والطمأنينة، وتشرق السعادة الروحية علي القلب الانساني ..  وحينئذ يكون دائما رمضان شهرا مختلفا عن باقي شهور السنة.

 

كيف تحقق الأمن النفسي في حياتك?

تقوم قاعدة الاسلام علي حماية الانسان والحفاظ علي حقوقه المشروعة في الأمن والاطمئنان.

والاطمئنان قوة يعطيك القدرة علي تحمل صعاب الحياة.

ومن أجل تحقيق الأمن النفسي أعطي الله الحرية في الاعتقاد الديني ، ودعي الناس الي الألفة

والمحبة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

 

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه: كيف تحقق الأمن النفسي في لحظات حياتك بحيث تكون هي

اللحظة الممتدة في كل حركة وسكنة وسلوك وليس في فترة وقتية فقط.

 

لقد عني القرآن الكريم بالنفس عناية شاملة تمنح الانسان معرفة صحيحة عن النفس دون ان

ينال ذلك من وحدة الكيان الانساني.. فأرشدنا الي سبل تحقيق الحياة الآمنة المطمئنة…

وفيما يلي بعض هذه السبل التي تجعل الاطمئنان والأمان لحظة ممتدة في حياتك…

 

1-                القرآن الكريم حيث ان في القرآن الكريم من عطاء الله ما يخاطب ملكات خفية في النفس تقود الانسان الي الأمان والاطمئنان ، كما انه اوضح لنا ما للايمان من تأثير فعال من حيث انه يزيد من ثقة الانسان بنفسه وقدرته علي الصبر وتحمل مشاق الحياة وبعث الأمن والطمأنينة التي تغمر الشعور بالسعادة.

2-                الالتزام بما جاء به القرآن من تعاليم وقيم للفوز بعطاء الله من خلال أنوار القرآن

علما وعملا، معرفة وحكمة حيث يمدك عطاء القرآن بطاقة نورانية عالية مما يدخلك في ذبذبة عالية تتناغم فيها مع قانون الحب الالهي

3-                الاعتصام بالله واللجوء اليه

4-                احياء الرقيب في النفس (مراقبة الذات)

5-                العبادات وذكر الله وحمده

6-                طاعة وتقوي الله

7-                التوبة والاستغفار(فالتوبة الي الله سبحانه وتعالي تغفر الذنوب وتقوي في الانسان

الأمل في رضا الله فتخفف من حدة قلقه) ويدعو علماء التنمية البشرية بالاضافة الي ذكر الاستغفار باللسان والقلب الي اهمية كتابة الذنوب علي ورقة والاعتراف

بها .

8-                الصبر والصدق والاخلاص دعائم رئيسية لتحقيق الامن النفسي

9-                الرضا والاستبشار والتفاؤل وتوقع الخير مصداقا لحديث رسول الله صلي الله عليه وسلم : تفاءلوا خيرا .. تجدوه.

10-           الصفح الجميل والاحسان ( والاحسان هو توظيف نعمة الله في سبيل الله سواء أكان مالا أو علما أو سلوكا أو قيمة تهدف الي الخير والعمل الصالح)

11-           محبة الله ورسوله

12-           عدم الحكم علي الآخرين، ولا يجعل من انفسنا آلهة نقيم بها أفعال الآخرين وننسي انفسنا.

13-           اليقين الكامل والتسليم المطلق لله في كل الأمور وعدم الشكوي والاعتراض.

14-           عدم السماح لأي أحد لأن يجرك في مهاترات ومجادلات ينتج عنها ردود فعل سلبية

تفقدك توازنك وطاقتك النورانية

15-           عدم الاستكبار علي احد وليعلم كل منا ان الذي يتعلم من كل أحد هو الأعلم والأقوم

والأكرم.

16-           التوازن في الحياة (الميزان وهذا يحتاج الي تدريب وهو تحقيق الميزان في كل

شيء تجنبا من أي خلل او اعوجاج او مرض يصيب النفس ويعيق دون تحقيق الأمن النفسي.

وأخيرا المسلم الذي يحقق الأمن النفسي هو الذي ينعم بالحب الالهي فيكون عابدا لله في الأرض موصولا بالسماء في كل لحظة ساعيا الي الخير مستبشرا عطاءا بميزان..

يحيا حياته بالله ولله ومع الله.

التأمل نبض الحياة

لقد دعانا الله جل جلاله في كتابه العظيم ” القرآن الكريم ” إلى التأمل،

والتفكر، والتبصر، والتدبر، والتعقل في آيات الله في الكون، والحياة،

والوجود، وأن نتعلم مما يدور حولنا ويجري أمامنا من أحداث هي

دروس فيها العظة والعبرة.

فالتأمل هو نبض الحياة، وإذا توقف الإنسان عن التأمل . . توقفت

نبضات حياته عن العمل، وفقد معنى كل شيء جميل يستطيع أن

يشعر به، ويتفاعل معه كيانه كله، ثمرة لتأمله، فتصبح أيامه هباء

ولحظات عمره سُدى.

إننا لا نريد أجساداً تأكل وتشرب بلا تأمل ولا تعمل، وإنما نريد

عقولاً تتأمل وتفكر في خلق الله . . وعظمة الله . . وقدرة الله . .

فتثمر لنا الخير بأمر الله، وقلوباً تنبض بحب الله فتزرع لنا

الجمال في الأرض بفضل الله.

إننا لا نريد أناساً تغلق على نفسها الأبواب لكي تقيم الشعائر

والعبادات فقط، وإنما نريد أناساً تؤمن بالله وتحب الله . .

وتعبد الله . . وتعمل لله . . وتتأمل في عظمة الله وآيات صنعه

وخلقه . . وتتفكر في آفاق الوجود بأكمله فتنتج لنا الرخاء والخير،

وتبين لنا ثمار تأملاتها، فتعم الفائدة على الجميع.

لقد أودع الله سبحانه وتعالى من الأسرار الخفية في القلب ما

يكشف حقيقة الإنسان، والسبيل الذي يسلكه، فهو جهاز شفاف

نوراني زود الله به الإنسان ليميز به بين الحق والباطل، ويفرق

به بين الصواب والخطأ، ويوضح له طريق الهدى من طريق الضلال.

والقلب الإنساني الذي يملؤه حب الله ويسكنه نـور الله ويشغله ذكر

الله . . هذا القلب النوراني يدعو الإنسان دائمـاً إلى التأمل، ويقوده

إلى التفكر، ويعلمه التدبر، ويحثه على التبصر في كل شيء من

حوله، صغيراً كان أم كبيراً ، مرشداً وموجهاً له بضرورة الإخلاص

وأهمية الصدق والصفاء في تأملاته، فيمنُّ الله على هذا القلب

النوراني بفتح أبواب له على طريق الفكر والتأمل، فيهديه إلى سبيل الله.

قال تعالى : {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين}

[العنكبوت:69]

فالتأمل هو نبض الحياة .. هو الحب .. هو الإيمان .. هو المعرفة ..

فالحب يولد الرغبة في المعرفة . . فإذا عرفت تأملت، وإذا تأملت

اقتربت، وإذا اقتربت أحسست بنبض الحياة، وقيمتها، وحلاوتها

فازددت إيماناً وقرباً وحباً للخالق المبدع الذي أحسن صنع كل شيء،

رب العالمين، رب العرش العظيم.

تأمل في عظمة خلق الله التـي تشهدها، في الجبال والأودية، انظر

كيف أقامها الله رواسي شامخات، وجعل فيها على الرغم من جمود

شكلها الخير الكثير للإنسان من معادن وأحجار وخلافه.

تأمل عند أدائك العمرة أو الحج في ملابس إحرامك البسيطة التي

ابتعدت بها عن زخرف الحياة طاعة لله وحده، أليس فيها ما يذكرك

ببدايتك، ولدت عارياً فكساك الله من خير، وعندما تموت لن تلف إلا

بكفن يشبه هذه الملابس . . . أليس في تأملك عظة وعبرة.

ماذا تساوي حياتك دون طاعة الله وحب الله . . . لن تأخذ معك في

قبرك شيئاً سوى أعمالك هذه، وطاعتك هذه، وكمـا قـال رسـول الله r :

{ إذا مات ابن آدم انقطع عمله من الدنيا إلا من ثلاث: صدقة جارية،

أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له}.

كيف تكون الصدقة إلا بطاعة الله . . وكيف يكون العلم نافعاً إلا أن

يكون في خدمة دين الله ، وكيف يوجد الولد الصالح إلا إذا نشأ في

طاعة الله مع أبوين يطيعان الله.

تأمل في شهيقك وزفيرك، الفرق بينهما لحظات قد يمن الله بها

عليك فتبقى حياً، أو يمنعها الله عنك فتصبح بين يديه الكريمتين.

فماذا قدمت لغدك عند الله – أموالك فيما أنفقتها؟ عمرك فيما أفنيته؟

صحتك فيما أبليتها؟

تأمل في عظمة الكون حولك. . في دقة هذا الكون. . في جماله . .

الشمس والقمر والكواكب والنجوم كلها تسير في نظام دقيق . . لو اختل

بمقدار سنتيمتر واحد لاحترق كل شيء واختفت الأرض بمن عليها.

فمن الذي أحكم صنع هذا ؟ تأمل . . . وتأمل . . . وتأمل.

نعم لا تحصى . . وأشياء لا تُعد . . ولو أردنا أن نحصي ما هو جدير بالتأمل

الوجداني والفكري للمؤمن فلن يكفيه ملء الأرض من صفحات وسطور.

إلا أنها مجرد دعوة لك . . أن تتأمل في خلق الله . . متذكراً أن

البشرية كلها تقدمت للأمام بالتأمل والتفكر في أشياء خلقها الله،

وإن كان التقدم التكنولوجي والعلمي جاء نتيجة تفكير وتأمل من

بشر بعضه مؤمن وبعضه غير مؤمن . . فنحن المسلمون أولى

الناس بالتفكر والتدبر، وأولى الناس بأن نكون في مقدمة العلماء

والمفكرين.

قال تعالى : { إنما يخشى الله من عباده العلماء} [فاطر:28]

وطالما أننا نسلك طريق الله مجاهدين مجتهدين، باحثين متأملين

في صنع الله . . . وآيات الله . . . وقدرة الله . . . وعظمة الله . . .

آملين في عون الله فمما لا شك فيه أن الله سيهدينا إلى سبله

بسلطان منه هو وحده، وبأمره هو وحده إلى اكتشاف الجديد

في آفاق الكون والحياة والوجود مما يعود على البشرية كلها

بالخير والنفع يزيدنا وينيرنا الإيمان به وحده، فيمن الله علينا

ببركات وخير من السماء والأرض هو رزق الله .. وهبة الله . . .

ومنته تعالى إلى عباده الصالحين.

وكما أن الإيمان هو نور الحياة

فإن التأمل هو نبض الحيــــــاة.

 

التناغم مع قانون الحب الالهـي

كشف لنا علماء الطاقة حديثا ان للكلمة طاقة والفكرة طاقة والمشاعر طاقة وان اعلى ذبذبة فى الكون هى ذبذبة الحمد والشكر لله سبحانه وتعالى، ومن يتناغم مع قانون الحب الالهى تفتح امامه أبواب الخير والبركات ويجد سر السعادة الحقيقية

وقانون الحب ا لالهى  يقوم على عنصرين هما:

العطاء ، والحمد

ومن يتناغم مع هذا القانون من خلال هذين العنصرين ينسجم مع ذبذبة الكون

ولكن هل الكون يعطى؟

نعم الكون يعطيك كل شىء .. فالشمس تمنحك الدفء والحرارة، والقمر يضىء الليل المظلم، ومن  التربة الطينية تخرج اجمل ا لثمار التى تكون طعاما لك ومختلف الفواكه والأزهار فى لونها المتناسق الجميل الذى يشع بالبهجةعلى حياتك

حتى الحيوانات سخرها الله لك لتأكل من لحومها وتلبس من أصوافها. فأنت جزء من هذا الكون وكما قال الامام على بن أبى طالب رضى الله عنه ” انت جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر ”

أما عن عنصر الحمد والشكر لله سبحانه وتعالى فلقد ارشدنا الله سبحانه وتعالى فى كتابه الكريم: الى أن كل ما فى الوجود يسبح بحمد الله

قال الله تعالى:

” وان من شىء الا ويسبح بحمده

ولكن لا تفقهون تسبيحهم ” (الاسراء:44)

كما جاء الأمر الالهى فى سورة ق:

” وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب”    ( ق: 39 )

وعن العطاء قال الله تعالى: ” ومن اعطى واتقى سنيسره لليسرى ”    ( الليل: 9 )

اذن جعل الله عز وجل ناموسه فى  الوجود كله يقوم على ا لعطاء والحمد

وعطاء الله للانسان عطاء عظيم ومختلف آثاره من شىء الى آخر:

فمنه ما هو نعمة كبرى يقف ازاءها الانسان المؤمن وقفة تأمل ويحس بالرهبة والخشوع امامها وتكون  سببا فى ادخال السكينة والطمأنينة الى قلبه
ومنه ما هو مرشد له يدفعه الى تقويم سلوكه، وتهذيب اخلاقه وصقل نفسه مما يجعله يشكر ا لله على لطفه الكريم به
ومنه ما هو كشف له يقوده الى ان يعرف ويتبين ويشهد بنفسه حفظ الله به، وحمايته سبحانه له
وصور أخرى كثيرة تبلور العطاء الربانى والحنان الالهى والتى هى أثر من آثار حب ا لله للانسان

ولكن السؤال الذى يطرح نفسه:

لماذا عندما يخلو الانسان الى نفسه يكون متناغما مع هذا القانون الالهى، واذا تفاعل مع الأحداث يجد سلوكياته اختلفت وبدأت تجره الأنا الى  الحقد والحسد والضعف امام شهوات النفس والسقوط به الى آفات النفس الانسانية والأنانية المطلقة.

لماذا لا تؤثر النورانية التى اكتسبها من خلال قانون الحب الالهى على سلوكياته فى ارض الواقع ومع الآخرين؟؟

والاجابة تأتى من خلال تعاليم ديننا الاسلامى حيث انه يغفل عن احياء الرقيب فى نفسه

والرقيب من اسماء الله  الحسنى والآيات القرآنية ترشدنا ا لى اهمية الرقيب حيث كان الأمر الالهى فى سورة هود:

” وارتقبوا انى معكم رقيب ”  “(هود : 93)

” وكان الله على كل شىء رقيبا”(الأحزاب:52)

وغيرها من الآيات الكريمة الكثيرة التى تدعو الانسان لاحياء الرقيب فى ا لنفس

ولاحياء الرقيب فى النفس فوائد كثيرة واهمية كبرى حيث الرقابة على كل فعل وقول مما يوقظ فى نفسه ان الله يراقبه فى كل افعاله فيصبح له فعل وليس رد فعل وهكذا باحياء الرقيب يتحكم فى افعاله ويميز بين الحق والباطل والخير والسوء من التصرف والأقوال فيصل الى الرضا الذى يقوده الى  اليقين بالله فى كل شىء مما يثمر التسليم المطلق لله الذى يفتح امامه باب الخيرات والبركات

ومما يؤسف له حقا ان الغرب اكتشف سر السعادة من الاسلام، واخذوا ينهلون من  منهل المعرفة الاسلامية التى فتحت امامهم ابواب التقدم والخير

ولا زلنا نحن المسلمون تجرنا الأنا والتفاخر الى متاهات الصراع الحاد والشجار والخلافات التى لا تنتهى بيينا وبين بعض مما يغلق امامنا ابواب الخير.

ان قليلا من التأمل والتفكر فيما يدور حولنا يفتح لنا ا بواب الوعى الانسانى الذى بدوره يثمر لنا التفاؤل والاستبشار بمستقبل غد مشرق لكل فرد وأسرة ، ولمصر، والعالم الاسلامى

اضبط ذبذبتك على ا لحمد والشكر وتناغم مع قانون ا لحب الالهى من خلال العطاء والحمد ، واحرص على احياء الرقيب فى نفسك وذلك بأن يكون لك فعل وليس رد فعل واعرف ان الله يراقبك ويرى عملك ورسوله والمؤمنون

تناغم مع ذبذبة الكون التى تفعل كل كلمة تقولها وكل تصرف الى قانون اما ان يفتح امامك الأبواب أو يغلقها تذكر دائما ان الحسنة من الله والسيئة من نفسك

قال الله تعالي في حديثه القدسي:

” انا عند ظن عبدي بي ان خيرا فخير ، وان شرا فشر”

فما تتوقعه يأتيك.. والسعادة بيديك ومن حولك فاكتشف وابدأ بنفسك ……

ولا تشغل بالك بالحكم على الآخرين ستجد العطاء الالهى والفيض الربانى ينهمر عليك من كل جانب وانت لا تصدق ما يحدث

ولا يسعك غير ان تقول بكل خلجاتك:

                  سبحان الله ا لوهاب الحنان ا لمنان الذى أعطى كل شىء وهدى

الدعاء والعناية الالهية

ما من شك فى أن عالم الاطلاق انما هو عالم الألوهية، أما عالم الانسان فانه عالم الحدود والقيود، بيد أن حدود الانسان الدينية وتكاليفه التى أوجبها الله عليه ا نما هى حدود من أجل رقيه وكماله، وكلما التزم الانسان ما أحبه الله منه، كلما كان سائرا نحو الكمال والصفاء والطهر.

من نعم الله الكبرى علينا أن دعانا الى التأمل والتدبر والتبصر والتفكر.

فان التأمل فى عظمة الله يثمر التدبر فى آيات الله فى الكون، والتبصر فى كل شىء فى أنفسنا ومن حولنا ينطق بقدرة الله وقوة الله، وعظمة الله، والتفكر فى كل ذلك يزيدنا ايمانا منه سبحانه وحبا له وخشوعا منه فنتقى الله فى كل شىء، ونراقب أنفسنا فى كل فعل من أفعالنا ونعرف ونوقن بأن الله يرى ويسمع والعمل الصالح يرفعه ويجزى عنه أحسن ا لجزاء… فيصبح لجوؤنا اليه وحده وتضرعنا اليه سبحانه واستعانتنا به مطلقة.

والتفكر والتأمل يقودان دائما الى زيادة الايمان وتعميق حب الله فى القلوب مما يثمر العمل الصالح، فان العمل الصالح هو ثمرة العلم النافع الذى هو ثمرة التفكر.

والتأمل فى القرآن غذاء روحى فى حياة الانسان، فهو تحديق نظر القلب الى معانيه وجمع الفكر على تدبره وتعقله وهو المقصود بانزاله لا مجرد تلاوته بلا فهم ولا تدبر.

قال الله تعالى:

( كتاب أنزلناه اليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب)        ( ص)

( أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها)     ( محمد)

( أفلم يدبروا القول أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين)       ( المؤمنون )

ولقد وجهنا الله عز وجل فى كتابه العظيم ” القرآن الكريم ” فى الكثير من آياته الكريمة الى أهمية الدعاء وحقيقته ومنزلته … مما أثمر عن الأمر الالهى الى عباده بالدعاء.

واذا تأملنا فى جوهر الدعاء نجده أنه مرتبط بالعطاء الربانى والعناية الالهية وممتزج بلمسات من الحنان اللالهى.

وما أمرك سبحانه وتعالى بالدعاء الا ليفيض عليك بالعطاء.

( … ادعونى أستجب لكم …)  ( غافر)

وعطاء الله … عطاء ممدود لا ينتهى ولا يقف عند حد. فهو عطاء أكرم الأكرمين سبحانه.

شاء رب العالمين أن يخلق معجزاته…  من العدم الى الدخان الى الماء الى بلايين النجوم الى قطعة الصلصال الى الخلية الحية الى مخلوق يكتشف الكون ويبحث فى السماء ويعرف الحب ويسعى لعطاء خالقه.

أى قدرة من الله…  وأى حب للانسان.

يقول العارفون بالله:

( ذكرنا الله قبل أن نذكره، وعرفنا قبل أن نعرفه، وأعطانا قبل أن نسأله، ورحمنا قبل أن نتضرع اليه. فكيف نسمح لقلوبنا أن يكون فيها سواه)

يجد العارفون بالله أن الحب قانون حاكم فى الوجود، ويرون أن عطاء الله سبب فى ميلاد الكون والانسان، ويحسون أن رحمة الله نسيج يشف به ثوب الكون على رحابته وجلاله، وهم يرون أن الله قد خلقنا ليتفضل علينا بحبه …  وخلقنا ليتفضل علينا مرة ثانية بأن يسمح لنا بحبه.

( يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم على دينه فسوف يأتى الله بقوم يحبنهم ويحبونه…)

( المائدة )

ان قانون الحب الأعلى هو العطاء

واذا كان الحب عطاء، فان الله هو المعطى وحده فى الحقيقة.

يعطى الله تبارك وتعالى للعبد كل شىء، ابتداء من نعمة الخلق من عدم وانتهاء بنعمة القبول والادخال فى الرحمة، ماذا يعطى العبد لله تعالى مقابل ذلك؟ ماذا تستطيع أنت كانسان أن تعطى الله…  لا شىء على الاطلاق.

لو أنفق الانسان كل ماله فى سبيل الله، فانه لا يعطى الله شيئا لأن المال مال الله الذى استأمنك عليه وأودعه عندك، ولو مزق المرء جسده آلاف الشظايا فى سبيل الله فانه لا يعطى الله شيئا لأن الجسد ملك الله الذى سخره لك، ولو ناءت روحك تحت أثقال العذاب فى سبيل الله، فانك لاتعطى الله شيئا…  أنت وما تملك ملك لله أصلا، ولا يقال لمن يرد الوديعة للمالك الأصلى أنه يعطيه.

واذن فالله سبحانه هوا لذى يعطى وحده، ولا أحد سواه…  وبرغم ذلك…  نرى الكريم العظيم يقبل من الناس الشكر بدلا من العطاء، ويجعله- رحمة منه – سببا فى زيادة العطاء.

( واذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم…)    ( ابراهيم )

ودائما حب الله يقود القلب الانسانى والعقل ليتفكر ويتدبر فى باطن المعانى والأمر الالهى مما يثمر العمل الصالح وطاعة الله بحب وصفاء وخشوع مرضاة لله وتقربا اليه وحده.

وللنفس وقفة فى لحظات من التأمل مصحوبة بالايمان ممتزجة بالحب حول الدعاء وأثره فى الحياة.

الحب والتجربة الأولي

أيها القلب المحب المخلص.. ليس معنى فشلك في تجربتك الأولي، ومقابلتك لأناس معدومى الخلق والقيم،وامتزاجك بضمائر معدومة.. وقلوب ميتة ونفوس مريضة هو انتهاء الحياة .. وانعدام القيم.. وانحدار الفضائل التي طالما عشت ونبضت بنبضاتك تنادى بها ، وتهمس بهمساتك تحيا لها ، وتدق دقاتك من أجلها.

لا زالت الدنيا بخير ، ومازالت شمس الرحمة مشرقة ، ونور الحياة مضيئا ، ويد العطاء ممدودة ، وباب الأمل مفتوحا ما دام  الايمان بالله يملؤك .. ونور الله يسكنك .. وحب الله ورضاه يحتويك ، ورعاية الله وعنايته تحرسك.

أيها القلب.. أحذر من أن تيأس .. أحذر من أن تنهزم أحذر من أن تقع فريسة سهلة لمعدومى الضمير والخير والفضيلة أحذر من أن تقع في شرك الحاقدين والحاسدين والظالمي أنفسهم أحذر من أن توقف نبضاتك التي تؤمن بالقيم .. وتسكت دقاتك التى تعلو تنادى بالفضيلة…

أحذر من أن تغلق بابك فلا تعرف الخير من الشر ، ولا تدرك العلم من الجهل ، ولا ترى النور من الظلام.. فما تحسبه خيرا يكون شرا ، وما تحسبه شرا يكون خيرا ، وما تدركه علما فهو جهلا ، وما تدركه جهلا فهو علما، وما تراه نورا فهو ظلاما، وما تراه ظلاما فهو نورا. أحذر أن تفقد بصيرتك فتعطى لضميرك أجازة ، ولعقلك راحة .. فتصاب بالحقد والحسد والكراهية والآفات النفسية ، وتغرب شمس حياتك بعد اشراقها ، وتظلم غرفة قلبك بعد اضاءتها.. فتضل الطريق بعد أن اهتديت اليه.

اياك وأن تغلق بابك .. واعرف أيها القلب بأنه لا بد من الفشل حتي تصل الي النجاح ، ولا بد من السقوط علي الأرض حتي تصعد الي القمة ، ولا بد من توقفك للحظات مع نفسك حتي تستمر حياتك .. فما النور الا بعد ظلام .. وما العلم الا بعد جهل … وما السكينة والراحة والاستقرار الا بعد ضياع … وما المجد الا بعد تدهور..

وما الانتصار الا بعد هزيمة … وما اليقظة الا بعد غفلة … وما الحياة الا بعد موت …

أيها القلب … افتح بابك للحب والأمل والنور.. مد يدك للعطاء الذى يكمن في الحب والخير والانسانية والرحمة لك ولغيرك .. حب الخير .. ولا تفسده بيأسك وانهزامك .. ساعد نفسك والآخرين .. ان حبك الخير للآخرين ومساعدتهم وبذل العطاء دائما لهم ، ونثر ورود الحب والأمل في طريقهم لهو السعادة النفسية لك ولهم.

لأنك في تقديمك الخير ، وبذلك العطاء والايثار لهم ستجد نفسك فتسعد وتسعد .

أقم برج القيم .. كن شمعة مضيئة للآخرين .. كن صحوة نابضة للضمائر الغافلة .. كن بلسما شافيا للمجروحين.. كن رحمة هادية للنفوس المريضة .. كن مصباحا منيرا لفاقدى الطريق.

أيها القلب .. افتح بابك للحب والخير ولا تخف .. تضاء لك شمعة من شموع الحياة فتنير طريقك ، وترد لك ما قدمته بل أعظم مما قدمت من حب كبير .. وعطاء غزير .. ووفاء نادر.

1 2 3 5