إسلامية

نسمات العناية الإلهية


د . ناهد الخراشي
الكاتبة والمحاضرة في العلوم الإنسانية والسلوكية
عضو الهيئة الإستشارية العليا
مجلس علماء ومبدعي مصر والعرب


تتجلى في الدعاء أجمل نسمات العناية الإلهية التي تحيط بالعبد حينما يدعوه حبا وشوقا وطمعا في رحمته، وكأنها ظلال تحتويه من كل جانب تصعد به في نورانية، حيث يجب أن تكون من النورانية والصفاء.وحقا ويقينا إن الدعاء إذا كان مخلصا فهو يفتح لك باب العناية الإلهية لتنعم بنسماتها.
ولنتأمل معا بين ثنايا السطور القادمة كيف أن العناية الإلهية تحيط بدعاء العبد الصادق الذي أنعم الله عليه بالإخلاص، والإخلاص سر من أسرار الله استودعه قلب من أحبه من عباده.إن العناية الإلهية تحيط دائما بسلوك الالتزام بالتوجيهات الربانية، والدعاء كان إحدى هذه التوجيهات والتعاليم، وترتكز سبل العناية الإلهية في الدعاء على ما يلي :
أولا : إنه سبحانه لم يجعل واسطة في الدعاء بين العبد وربه، بل جعل الدعاء مباشرة إلى الله عز وجل، وهو سر من الأسرار يعطي للعبد خصوصية ومكانة عند الله-
ثانيا : الدعاء يقودك إلى الخشوع والتضرع الذي يرضاه الله وإلى الإعتراف بعجزك أمام قدرة الله الذي تلجأ إليه إيمانا ويقينا، وظاهرا وباطنا، وقولا وفعلا، وعلما ومعرفة بأنه هو وحده الذي يملك الاستجابة إذا شاء، فإذا عجزت الأسباب فإن خالق الأسباب موجود، جواد كريم، رؤوف رحيم،غفار رحمن عنده مفاتيح الغيب كلها، وأبواب الرحمة يملكها سبحانه وخزائن الفضل لديه وحده … وبذلك يتحقق لك معنى العبودية التامة.
إذن الدعاء يرشدك إلى تحقيق العبودية، وهذا هو الهدف من العبادة أن تصل بيقينك وعملك وسلوكك وخلقك إلى أن يكون الهدف هو الله ورضاه، وأن تسعى في الحياة حبا لله، وأن لا يستطيع أحد أن يملك شيئا أو يفعل شيئا إلا بإذنه وإرادته ومشيئته وبسلطان منه وحده. فكيف يكون في القلب سواه.

ثالثا : الدعاء يحقق لك إحدى سبل الصفاء، فإن الاستمرارية في الدعاء بقلب مخلص محب لله بيقين أن الله سيستجيب إلى دعائك ويحقق ما تريده في الآوان الذي يشاؤه سبحانه يقودك إلى الصفاء والنقاء …ساعيا في طريق الله حبا سالكا إليه حامدا شاكرا آملا في رحمته ورضاه. ومن كان أكثر إخلاصا لله يتحقق له الصفاء، ومن يتحقق له الصفاء ينال شيئا من الاصطفاء .
رابعا : الدعاء يحيطك بالرحمة الإلهية فتهدأ وتشعر بالإطمئنان والأمن النفسي الذي هو نعمة من الله فيتحقق لك السلام مع النفس، ومع كل شئ في الوجود مما يرشدك إلى الرضا والصبر.
خامسا : الدعاء يجعلك تحيا في دائرة النور الإلهي، حيث يدخلك في عناية الله وحمايته ورعايته سبحانه، فيغشاك نور الله، وتحيطك لمسات حنانه من كل جانب فتشعر بالرضا والأمن النفسي وهذه من ثمرات العناية الإلهية في الدعاء؛ وذلك لأنك بالدعاء واتجاهك ولجوءك الدائم إلى الله أصبحت موصولا به سبحانه، مدفوعا إلى أن تطيعه في كل ما أمرك به، وأن تنتهي عما نهاك عنه. مما أحاطك بالعناية الإلهية والرحمة الربانية.
وهكذا يصبح الدعاء سبيلا للحصول على عناية الله والفوز برحمته ورضاه.ولتعلم :-
ما أمرك الله بالدعاء إلا ليفيض عليك ويعطيك ، ويرحمك ..
وما أمرك جل جلاله بالدعاء إلا ليرفعك .. ويقربك وفي القرب الحب والنور والصفاء ..

كيف تحقق الصفاء ؟

كيف تحقق الصفاء..؟

                                                              د . ناهد الخراشي

                                        الكاتبة والمحاضرة في العلوم الإنسانية والسلوكية

                                                     عضو الهيئة الإستشارية العليا

                                              مجلس علماء ومبدعي مصر

     لاشك أن  الصفاء غاية كل إنسان لينعم بالاطمئنان والسلام وحياة الأمن النفسى ويتمنى أن يسعى الى هذا الطريق ويحاول ساعيا إلى معرفة  السبل التى تحقق هذا الصفاء.

     وسائل تحقيق الصفاء كثيرة  منها:-

     1- حب الله: وهو أن يكو ن حب الله هو القانون الذى يحكم حياتك والموجه لكل أفعالك

                     والمرشد لجميع سلوكياتك أى أن يكون الهدف من سعيك هو حب الله .

     2- إخلاص النية لله:  فى جميع الأعمال، وجعل الله سبحانه وتعالى النية للمسلم قوة

                             وحده  وسلاح يحافظ له على قوته وارادته التى يجب أن تكون موجهة لله   .

     3- الصدق والصبر والإخلاص: ثلاثة دعائم لا يستطيع الإنسان الاستغناء عنها

                                             والصادق من صدق فى أقواله، والصديق من صدق فى

                                            أقواله وأفعاله وحركاته والصدق يكون فى النية أولا ثم

                                            اللسان ثم العمل.

                                            ويرتبط بالإخلاص والصبر حيث يبلور السلوك الإنسانى

                                            الممتزج بحب الله ونقاء السريرة مما يثمر الطمأنينة

                                            والسكينة القلبية والأمان النفسى.

4- الدعاء واليقين بالاجابة: وأن يكون حظك من الدعاء أن تنال ثواب التضرع والخشوع لله

5- الذكر وأعلاه ( لا إله إا الله- التسبيح – الحمد التكبير ونحوها).

                     ومع الذكر والدعاء ترفرف أجنحة الصفاء فى حياة الإنسان ويعتبر الذكر من

                     أهم السبل التى تحقق الصفاء النفسى للإنسان.

6- تلاوةالقرآن الكريم وحفظه والحرص على أن يكون لك ورد يومى من آيات الذكرالحكيم، وهو

    من العبادات التى يشعر الإنسان مع آياته الكريمة بالصفاء يغمر وجدانه واعماقه.

7- الصلاة على النبى صلى الله عليه وسلم

8- الاستغفار والتوبة، ومعرفة أن التوبة هى أول مدارج السالكين إلى الله.

9- الصدقة والصلاة وقيام الليل، ولقيام الليل أثر فعال فى الإحساس بالصفاء والأمن النفسى

    والاطمئنان القلبى.

10- تذكر الآخرة والموت.

11- التوكل على الله ، وتفريج كربة المسلم.

12- ذكر اسماء الله وصفاته الحسنى بتعمق وفهم.

13- الانشغال بالطاعات والعلم النافع.

14- الاقتداء بسيرة نبى الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم وأولى العزم من الرسل.

15- الحلم والإحسان وعدم الغضب، وحفظ اللسان عن الغيبة والنميمة والبهتان والكذب وسفاسف

      الأمور. ثم تقوى الله، والتقوى بمعناها الصادق طاعة الله فى القول والفعل، والسر والعلن،

      ويصبح الإنسان فى رعاية  الله وكفالته كفاه الله كل حاجته، ومن يتوكل على الله فهو حسبه.

  1.      وهذه هى سبل الصفاء، من لزمها عاش حياة الصفاء، يتحدث بصفاء ويسلك سلوك النقاء والصفاء، ويهرب من كل ما يعكر هذا الصفو الذى يحيا فيه ويعيش أيامه حبا لله شاكرا على نعمه سبحانه وعطائه له، وتصبح أيام العمر كلها لحظات من الصفاء.    

مقال قانون الاستغفار وتطهير النفس

قانون الاستغفار وتطهير النفس       

   د. ناهـد الخراشي

       جعل الله سبحانه وتعالي الإستغفار من أعظم أبواب الفرج إذ أنه من أسباب تيسير الرزق ، وفيه تكفير للذنوب، وتفريج للكروب. (قال صلي الله عليه وسلم: من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا ومن كل ضيق مخرجا ورزقه من حيث لا يحتسب) (رواه ابو داوود والترمذي والنسائي) ومن أهم فوائد وفضائل الإستغفار أنه سبيل من سبل النجاة اذ أنه نور يضيء سبيل العناية الإلهية والفوز العظيم.

      والإستغفار قانون إلهي.. اختص الله به نفسه وأوجده ملازما لعمل الإنسان في الأرض.. فحين يهييء الله للإنسان عملا صالحا فهو بذلك يغفر له ، ومن هنا ندرك أن المغفرة هي أن يكون الإنسان قائما في عمل صالح يغسل به جميع ظلماته ويتطهر به من سيئات أعماله.

     ومن يتأمل في معني الاستغفار يجد أن قانون التطهر قانون أساسي يساعد علي نمو الوعي الروحي للإنسان وتطوير إحساسه بكل ما يفعل في هذه الحياة من خلال فكره وعقله وجوارحه فيتحول الإستغفار إلي منهج دائم للإنسان، وليس مجرد التطهر من ذنب بعينه.

      والإستغفار الدائم يحرر الإنسان من الكبر والغرور والتسلط وحب السيطرة وجميع الآفات النفسية والسلوكيات التي لا تجذب إلا القلق واليأس والحزن والكآبة وتطرد من أمامك الخير والجمال.

       إن الاستغفار قانون لا نستطيع الاستغناء عنه ، وجعله الله لنا رحمة كبري لنا ليتوب علينا ويغفر لنا سبحانه وتعالي أنه هو الغفور الرحيم.

ونحن دائما في حاجة دائمة لأن نتذكر فإن الذكري تنفع المؤمنين إذ نعود إلي قصة آدم عليه السلام حيث علمه الله عز وجل كلمات ليتوب عليه ، وفي قصة يونس عليه السلام إذ أرشدنا الله سبحانه وتعالي أن الاستغفار كان سببا في نجاة يونس من بطن الحوت، وكانت إشارة لنجاة المؤمنين من خلال الاستغفار.

       فحينما تستغفر الله تنتقل إلي قمة العبودية لله ، وتحيا النفس في مظلة التطهر والرحمة الإلهية. فالإستغفار قوة روحية وتطهير للنفس وقيادة لتحيا حياة الأمن والسلام.

وعلينا أن ندرك بأننا باستغفارنا لله نأخذ قوة تعيننا علي أن نصحح طريقنا، ونصوب وجهتنا ، ونقوم سلوكنا، ونهذب أخلاقنا فتكون كل معاملاتنا مع الله .. فإن أخطأنا استغفرنا ورجعنا وحمدنا الله أن كشف لنا خطأنا.

       فاجعل قيامك بين الحمد والاستغفار الدائم تحيا حياة آمنة مطمئنة ، وكل عمل نافع يسعي إليك هو عفو ومغفرة من الله الكريم.

الشخصية الأخلاقية

 

الشخصية الأخلاقية…

د.ناهد الخراشي

       الشخصية الأخلاقية هي محصلة الكيفية التي تتكامل بها مكونات السلوك الأخلاقي الخمس في شخصية الانسان ومظاهرها هي:

 1-مقاومة اغراء الخطيئة

 2- درجة الشعور بالذنب

 3- الايثار

 4- بعد النظر الأخلاقي

 5- الاعتقاد الأخلاقي.

     ويعبر عن قوة هذه المظاهر او ضعفها ب ” الضمير” ومن المعروف أن الشخصية الأخلاقية تتكون من تنشئة الفرد في المجتمع الذي يعيش فيه، وطريقة تربيته وتأثيره بمن حوله من الوالدين وأفراد المجتمع الذي يتصل به، والرفاق والمعلمين والمربين، بالإضافة إلي الآثار البيئية والوراثيه وما تربي عليه ومثله الأعلي الذي يتطلع اليه دوما، وكل ذلك يؤثر في حياته وشخصيته وسلوكه الأخلاقي فينتج الشخصية الأخلاقية وهناك نماذج للشخصة الأخلاقية:-

  • الشخصيات الأخلاقية التبعية أي الشخصيات التي تتبع سلوك الآخرين من الأنداد أو الأصدقاء أو المسئولين..الخ
  • الشخصيات الآخلاقية ” السلطوية” وهي الفئة التي تسلك سلوكا سلطويا من أجل تثبيت مكانته والمحافظة علي قوته، والشخص السلطوي تقليدي محافظ، وتفكير ثابت مغلق ويميل نحو الصرامة ، وسلوكه الشخصي ينبع من دوافع عدوانية مكبوتة.
  • الشخصية الأخلاقية ” التابعة” لأحكام الضمير فهي شخصية تستجيب للأحكام التي تضمرها في داخلها دون اهتمام بما يقوله الآخرون، وهذه الشخصية هي نتاج ظروف أحاطت بتنشئتها التي كانت من (الولدين أو للكبار) الذي غرسوا عنده ذلك.
  • الشخصية الأخلاقية المستقلة أو الشخصية الايثارية فهي الشخصية التي يختار صاحبها الأحكام الأخلاقية بنفسه ويهتدي بها في حياته ، وتعتبر هذه الشخصية الأخلاقية أنضج الشخصيات ، لأن النمو الطبيعي بتوجه لمثل هذا الاستقلال.

            والأخلاق جزء من الدين، ولا وزن ولا قيمة للإنسان بدون أخلاق يتحلى بها وقيم يتمسك بها فيصبح إنسانا يقتدى به. ولقد أثنى الله عز وجل على رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم ( وأنك لعلى خلق عظيم )  ( القلم: 4 )  , ولقد لخص رسالته عليه الصلاة والسلام فى قوله:( انما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ) كما قال عليه الصلاة والسلام فى حديثه النبوى: ( أكمل المؤمنين ايمانا أحسنهم خلقا )  رواه الترمذى. والدين لا يقف عند حد الدعوة إلى مكارم الأخلاق وتمجيدها بل انه هو الذى يرسى قواعدها، ويضبط مقاييسها الكلية.

       والأخلاق مرتبطة بجميع العلوم والمعارف.. إذا آمنا بذلك نجد أن كل معارفنا مرتبطة بالدين لأنها ممتزجة بالأخلاق. والسلوك الفاضل لا يأتى إلا من خلق حميد، والخلق لا ينبع إلا من الدين والإيمان الذى يحقق للإنسان السعادة والحياة الأمنة المطمئنة.  

       وأفضل شخصية أخلاقية نقتدي بها هي شخصية رسول الله صلي الله عليه وسلم الذي حمل لواء الأخلاق وانفرد باتمام مكارم الأخلاق فهو الذي حمل رسالة بناء النفس من الداخل وتغيير ما تطبع به الإنسان وما يتطلب ذلك من جهاد وصبر إيمانا وحبا لله.

        ونحن في أشد الحاجة في هذا الزمان الذي نفتقد فيه إلي القيم الأخلاقية أن نعود لمنهج الرسول صلي الله عليه وسلم في بناء الشخصية المثالية التي تربي ولا تهدم وتتجاوز عن الأخطاء متحلية بالتسامح والصفح الجميل لبناء مجتمع قويم يبني صرحه علي القيم والمباديء العليا ممتزجة بالعلم النافع والعمل الصالح فيهبنا الله الحياة الآمنة المطمئنة.

 

 

 

 

صفات النفس و أوصافها

صفات النفس وأوصافها

د. ناهد الخراشي

الكاتبة/د. ناهد الخراشى
كاتبة وعضو اتحاد الكتاب
استشاري تدريب و علوم سلوكية و اجتماعية
خبيرة الصحة النفسية
لايف كوتش
المستشار الثقافي للإتحاد العربي لحقوق الملكية الفكرية

 

 

لا شك أن كل فرد يسعي لتحقيق الإطمئنان والأمن النفسي في حياته، ولتحقيق الأمن النفسى كان لابد من معرفة النفس الإنسانية وما تمر به من أحوال وصفات وأوصاف وسمات معرفية واسعة.

ولقد عنى القرآن الكريم بالنفس البشرية عناية شاملة تمنح الإنسان معرفة صحيحة عن النفس دون أن ينال ذلك من وحدة الكيان الإنسانى أو رفع طاقة من الطاقات على حساب طاقة أخرى.

وكان من الإعجاز القرآنى فى عنايته بالنفس فى أنه لم يترك زاوية من زوايا النفس أو جانبا من جوانبها إلا وتعرض لها.

ووجوه هذا الإعجاز كثيرة فمنها:

1- ذكر النفس وما تتعرض له من وساوس وهواجس وأحاسيس من فرح وحزن ووحشة
وأنس وانقباض وارتجاف واطمئنان وقلق واضطراب.
2- أرشدنا إلى أدواء وأمراض وعلل النفس وألوان قصورها وأدلة قوتها ونشاطها
وكمالاتها، وآفاتها والمعالجة الإسلامية لهذه الآفات مثل:
الرياء، الكبر، الغرور، الحقد، الحسد، الوسوسة، الغضب، النسيان، اليأس، ….الخ.
3- يبين لنا القرآن الكريم صفات النفس التى ترتكز فى :
الضعف، البخل، الشهوة والجهل.

1) الضعف:

الضعف من مكونات الإنسان
( وخلق الانسان ضعيفا)
2) البخل:

النفس الإنسانية خلقت من عناصر تتفق مع بعضها البعض، وتختلف فى أحيان أخرى,
فعلاوة على الضعف الترابى فهناك البخل الذى لا يدل على المعرفة، والذى يتصف بأوصاف مذمومة.

( ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم)

3) الشهوة:

وفى جبلة النفس ترتكب ثالث أكبر التراكيب فسادا عندما يكون تابعا للنفس وحظوظها وأهوائها أو وهو الشهوة.

( زين للناس حب الشهوات )

4) الجهل:

أما الصفة الرابعة التى يتصف بها الإنسان، الجهل ، ولقد اقتضت مشيئة الله تعالى أن يكون الإنسان جهولا لحكمة يعلمها سبحانه حتى يحض الإنسان على المجاهدة ويدفعه إلى سلوك طريق العلم والمعرفة.
فلو فطر الإنسان عالما بالله ما كابد ولاجاهد، بل أصبح ملائكيا لا يعرف إلا الخير والفضيلة، ولا يعبد إلا الله على الحقيقة، ولا يسجد إلا له تعالى.

( وحملها الإنسان أنه كان ظلوما جهولا)

كما أن للنفس صفات فطرية تعتبر من تركيبتها الأولى فإن لها أوصافا تعرف بها وأشكالا تتشكل بها وأمانى شيطانية تمضى إليها، ومظاهر لا تستطيع منها خلاصا إلا بالمشيئة الإلهية, وهى الأوصاف التى تتميز بها النفس الإنسانية إنما هى ابتلاء وعلى الإنسان أن يجاهد فى سبيل الله بالإخلاص فى النية والصدق فى القول والعمل ومحاسبة النفس حتى تتخلص من هذه الأوصاف المذمومة, وهذه الأوصاف تتركز فى إدعاء الربوبية، حب المدح، أخلاق الشياطين والبهيمية.

1- إدعاء الربوبية:
تميل النفس إلى التكبرو التبختر وهو حب التعاظم وعدم الخضوع للحق عنادا وعدم قبوله ترفعا عنه كما فى قوله تعالى:
( استكبارا فى الأرض ومكر السيىء)

وقد ادعى فرعون بالربوبية كما جاء فى قوله تعالى:
( قال أمنتم له قبل أن آذن لكم)

2- حب المدح:
كما تميل النفس بحكم طبيعتها إلى المدح والثناء، وترفض النقد والفضح، وذلك لتتصف بالعظمة والكمالات كما تحب المجد والغنى وتكره التواضع والفقر، وهذا نوع من الاعتزاز يتصف به الشياطين , ويقول الحق تعالى فى ذلك:

( وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور)

3- أخلاق الشياطين:
كما أن من أوصاف النفس الأخلاق الشيطانية، وهى تتمثل فى: الخداع والغش، والحقد والحسد، والحيلة والغيرة، والغيبة والنميمة، وسوء الظن وحب الأذى… وهذه الأخلاق قد ابتليت بها النفس الأمارة بالسوء وأصبحت فطرة فيها، وجبلة فى طبيعتها:
( وإن يدعون إلا شيطانا مريدا)
( كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر)

4- البهيمية:
وفى الوصف الرابع للنفس الإنسانية طبع البهائم، من حب للشهوات واللذات من منكح ومأكل ومشرب…….. إلخ.
والبهيمية هى كل ذات أربع قوائم، أو كل حى لا يميز فكان وصف الإنسان بالبهيمية إنما يهبط به إلى الجهل وعدم التمييز.
فإذا وصف الإنسان بالبهيمية، فكان دمه حلال كالحيوان واستعباده فى الأرض كالرقيق، وذلك إذا اجتمعت فيه الخصال الأخرى، والأوصاف التى سبق ذكرها وهى إدعاء الربوبية، وحب المدح، وأخلاق الشياطين:
( أولئك كالأنعام بل هم أضل)

5- ما سبق إيضاحه يتبين لنا أن لكل نفس إنسانية صفات وأوصاف توصف بها وهى ما فطر عليه الإنسان.
وتربية النفس وتهذيبها يؤدى إلى ترقى النفس من منزلة إلى منزلة، ومن درجة إلى درجة، ومن مقام إلى مقام، وفى كل مرحلة من هذه المراحل تتسم النفس بسمة معينة تعرف بها وهذه السمات هى ما يجب أن يسعى إليها الإنسان حتى يحظى برضا الله ومحبته, وهذا لا يأتى إلا بعمل الإنسان وبسعيه ومجاهدته, وبصفة عامة تقسم درجات النفس وأحوالها ومقاماتها إلى سبعة أقسام:-

1) النفس الأمارة بالسوء:-
النفس الأمارة هى النفس المذمومة التى تأمر بكل سوء، وهذا من طبيعتها إلا إذا وفقها الله وثبتها وأعانها فى التخلص من شرورها وآثامها وابتعدت عن الضلالات وسارت فى طريق الله، وهى المذكورة فى قوله تعالى،وفيما أوردته إمرأة العزيز عن نفسها:
( وما أبرىء نفسى إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربى إن ربى غفور رحيم(53))
وطبيعة النفس الأمارة بالسوء هى التغيير والتقليب، التلوين والميل إلى حظوظها والركون إلى أهوائها وحب الشهوات والغضب عند ضياع اللذات وللنفس الأمارة حالتين:-
أ- حالة بلاء ب- حالة عافية
فإذا كانت فى حالة بلاء، فالجزع والشكوى لباسها، والسخط والاعتراض منهجها، فلا صبر ولا رضى ولا موافقة.
أما إذا كانت فى حالة عافية، فإن هذه النفس تتصف بالشر والبطر واتباع الهوى والشهوات، وكلما تحققت لها لذة طلبت أخرى واستحضرت ماعندها من النعم.

2) النفس اللوامة:
وهى النفس التى تلوم نفسها عند التقصير، وتحاسبها عند الإخلال بالتكاليف والواجبات الشرعية، أو عند الوقوع فى الأخطاء والمعاصى، وهى التى أسم بها الله سبحانه وتعالى فى قوله:
( ولا أقسم بالنفس اللوامة (2) )

3) النفس الملهمة:
هذه التى تظهر وتتضح إذا صدقت النفس وكانت عاملة عابدة لله واستمرت فى المجاهدة، وأمست المحاسبة طبعها الدائم وخلقها الثابت فتتمسك بالقيم العليا من خير واحسان, بر وفضيلة، فتستحق أن تلقب بالنفس الطائعة, المطيعة لله…. وهنا تلهم بالصالحات من الأعمال حتى تحظى بالدرجات العليا بفضل الله ومننه وتثبت فىمقام النفس الملهمة.

4) النفس المطمئنة:
إذا واصلت النفس فى رحلتها فى الخير وأعمال البر والإحسان وأصبح هذا الحال ظاهرها وباطنها, فكرها وعملها, واستقرت فى مقام السكينة ، فلا ترى غير الفضيلة مبدأ ولا تختار غير الخير بديلا فأمنها مع الحق، وأملها فيه تعالى وهنا تسمى بفضل الله النفس المطمئنة.
وصفات النفس المطمئنة هى: السكينة، والتواضع والإيثار، والرضا ، والصبر على الابتلاء، وإسقاط التدبير مع الله، فلا خوف ولا اضطراب ولا قلق ولا ضياع ولا ضجر، وإنما رضا فى الله وأمل مع الله.
( يأيتها النفس المطمئنة ( 27) ارجعى إلى ربك راضية مرضية(28) فادخلى فى عبادى(29) وادخلى جنتى(30) )

إذا واصلت النفس رحلتها فى الخير وأعمال البر والإحسان بالكلمة الطيبة، والعمل الصالح أنعم الله عليها بنعمة السكينة والإطمئنان فتصبح النفس المطمئنة التى تعتبر من أعظم النعم.

5) النفس الراضية:
إذا أسكنت النفس الشيطان فى ذاتها… أنزل الله عليها السكينة.
( هو الذى أنزل السكينة فى قلوب المؤمنين ليزدادوا ايمانا مع ايمانهم)
واطمأنت لحالها بالتوكل وإسقاط التدبير دون النظر إلى شهوة أو جنوح إلى معصية، سميت هذه النفس راضية.

6) النفس المرضية:
فاذا وصلت النفس إلى مقام النفس الراضية حيث أن سمتها الأساسية هى الرضا فى كل الأحوال وإسقاط التدبير مع الله, إذا وصلت النفس إلى ذلك رضى الله عنها فأصبحت مرادة لله سبحانه وتعالى محببة إليه فهى نفس مرضية:
( يأيتها النفس المطمئنة(27) ارجعى الى ربك راضية مرضية(28) )

7) النفس الصديقية أو النفس الكاملة:
والنفس التى تمضى فى سياحتها الروحية خالصة لله… متوكلة عليه… راضية بما ترتزق به من خير وشر… تجاهد جهاد الأبطال …وعمل عمل الأبرار… وترضى بما أعطاها الله من نعم… غير معترضة على ما يختبرها به من امتحانات وابتلاءات متوكلة عليه تعالى… مسقطة للتدبير معه على الدوام.

هذه النفس يرضى الله عنها فتكون حبيبة إلى الله… مرادة له تعالى متمتعة بالكمالات الأخلاقية.. تحظى بالمقامات العليا التى يحظى بها المؤمنون… وتسمى فى هذا المقام بالنفس الصديقية مثلها مثل نفوس الأنبياء والأولياء الصالحين.

وجدير بالذكر أنه لا يمكن الفصل مطلقا بين حال النفس الأمارة وحال النفس المطمئنة، فالنفس واحدة ولكن أحوالها متعددة.

ودائما هناك صراع بين النفس الأمارة بالسوء، والنفس المطمئنة، فهى تحوى الفضيلة والرذيلة، والخير والشر، والتوحيد والشرك، والنور والظلام.

والإنسان يحوى طبيعة النفس الأمارة التى تسير وفق هواها، ويقودها طمعها ولذاتها وشهواتها، كما تحوى النفس أيضا طبيعة خيرة نورانية تبحث عن الحقيقة، وتنشد المعرفة.

ولقد دعانا الله سبحانه وتعالى إلى الترقى دائما نحو الأفضل، ونحو الخير للقرب منه سبحانه وتعالى ، حتى نصل إلى درجة النفس المطمئنة التى تستطيع أن تحقق الأمن والأمان والسكينة.

كما دعانا رسول ا لله صلى الله عليه وسلم إلى جهاد النفس وأسماه الجهاد الأكبر، لما فيه من مشقة وتحمل فى سبيل ترقى النفس نحو الخير وكمال الأخلاق.

وإلي ربك المنتهي

وإلي ربـك المنتهـي

د. ناهـد الخراشي

كاتبة وعضو اتحاد الكتاب

استشاري تدريب و علوم سلوكية و اجتماعية

خبيرة الصحة النفسية

لايف كوتش

المستشار الثقافي للإتحاد العربي لحقوق الملكية الفكرية

 

انقضي رمضان ولا زالت روحانياته وأجواء صفائه تنبض في سرائرنا وأنفسنا، والعبد المؤمن المحب لله هو الذي يجعل ما أنعم الله عليه من الروحانية والصفاء مولدا جديدا يحياه بعد رمضان وبذلك تصبح الأيام كلها رمضان.
فما كان يحرمه علي نفسه في رمضان، فليكن كذلك بعد رمضان فيصوم عن الغيبة والنميمة ، ويبتعد عن الكذب ويهجر المعصية بكل معناها سواء كانت كلاما أو خلقا أو سلوكا ، ويحيا الصفاء الروحاني..والسلام النفسي علي مدي الأيام مترجما هذه الروحانية إلي عمل نافع وتعاون تتجلي فيه التقوي والصلاح وحب الله.

وبذلك كان شهر رمضان ميلادا جديدا ، وبزوغ إشراقة الإيمان في حياته، ورسالة إليه كي يحافظ علي هذا الصفاء النفسي فيحيي ليالي العمر بالقرآن والذكر والصلاة، ويتصالح مع نفسه والآخرين بالعمل الصالح والعطاء، ويحيا أجمل نبضات الحب مع الكون وما خلقه الله من آيات تتجلي فيها نسمات الحنان الإلهي.

ويزين أيامه ولحظات عمره بالأخلاق الحميدة ويضع أمامه حقيقة هامة خالدة وهي: أن إلي ربه المنتهي ولتحقيق المعني الجليل للآية الكريمة ” وإن إلي ربك المنتهي” لا بد من مسلكين هما: الإرادة والرياضة.
الإرادة المصممة التي لا تلين ، وتزيل ـ لقوتها وتصميمهاـ كل ما يقف أمامها من عقبات في سبيل الوصول إلي الله سبحانه .
والرياضة التي تتخذ الله هدفها، والتي تتمثل في معاني الهجرة إلي الله ، والفرار اليه جل جلاله.

وتتعاون الإرادة والرياضة في الوصول ـ بتوفيق الله ـ إلي هذا المنتهي الذي لا بد من الوصول إليه، لتستقر الإرادة وتسكن.
إن الله سبحانه وتعالي يأمرنا علي لسان نبيه صلي الله عليه وسلم بالفرار إليه :” ففروا إلي الله ، إني لكم منه نذير مبين. “
والإنسان يفر إلي الله من الكفر إلي الإيمان، ومن الطاعات إلي القربات، ومن الكون إلي المكون، ومن النعمةإلي المنعم، ومن الخلق إلي الخالق، ومن نفسه إلي ربه.

والفرار إلي الله لا نهاية له، لأن الترقي إلي الله لا نهاية له ، وكما أن الفرار إلي الله مستمر .. فإن الهجرة إليه سبحانه مستمرة دائما، وهذا يذكرنا بقول سيدنا ابراهيم عليه السلام:-

” إني مهاجر إلي ربي إنه هو العزيز الحكيم”
إنه عليه السلام مهاجر إلي ربه بعمله، بحركاته، وسكناته، وأنفاسه، بنومه وصحوه.

والهجرة إلي الله والفرار إليه بمعني واحد شامل وضحه لنا رسولنا الكريم صلي الله عليه وسلم ممتثلا في أمر الله سبحانه وتوجيهه في قوله تعالي:
” قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين …”

والرياضة ذكر دائم ، وتذكر له سبحانه في كل لمحة، وهي إتجاه إلي الله بكل الأعمال، وهي هجرة لا تنقطع إليه سبحانه.

فإذا كان شهر رمضان قد انقضي… فإن الهجرة إلي الله لم تنقض بعد ، وأبواب الفرار إليه مفتوحة…
فلنفر إلي الله من الطاعات في رمضان إلي القربات علي مدي الأيام للوصول إليه سبحانه……………..
” فإلي ربك المنتهي” ..
فلنتسارع إليه بالخيرات والعمل الصالح.. يذكرك سبحانه في الملأ الأعلي ، وتفتخر بك الملائكة ……فتصبح عبدا ربانيا من أهل الله وخاصته إذا قال للشيء ” كن .. فيكون”.

 

 

 

جائزة الصائمين و الطائعين

جائزة الصائمين والطائعين 

 

     الكاتبة/د. ناهد الخراشى

كاتبة وعضو اتحاد الكتاب

استشاري تدريب و علوم سلوكية و اجتماعية

خبيرة الصحة النفسية

لايف كوتش

المستشار الثقافي للإتحاد العربي لحقوق الملكية الفكرية

 

 

 

 

     بعد أيام قليلة يغرب عنا شهر رمضان المبارك وتغرب معه احياء لياليه والصيام وقيام الليل إلا عن الصائمين والطائعين الذى يجعلون من رمضان امتدادا لأداء النوافل من الصوم وقيام الليل وتلاوة القرآن فى غير رمضان تقربا إلى الله.

 

     ويشرق علينا عيد الفطر المبارك ببهجته وفرحته فهو عيد وفرحة ويعد جائزة الله إلى الصائمين والطائعين على صومهم وقيامهم الليل وتقربهم إليه سبحانه فى هذا الشهر الكريم.

 

     وإذا كان عيد الفطر هو جائزة للصائمين، فإن كل طاعة لله عيد للطائعين.. وأجمل عيد فى حياة الإنسان إما تكون علاقته بالله متميزة، وكل يوم يمر عليك دون أن تعصى الله فهو عيد.

 

     ولنبدأ احتفالنا بعيد  الفطر بإحياء ليلته قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

     ( من أقام ليلة العيد إيمانا واحتسابا لم يمت قلبه حين تموت القلوب)  (أخرجه ابن حاجة)

 

     ولنحيى سلوكياتنا ونهذب أخلاقياتنا بآداب العيد حيث الدعوة إلى التسامح والتصالح مع أنفسنا أولا ثم الآخرين ونبذ الخلافات التى تبعدنا عن طريق الله وهجر المعاصى وتجديد العهد مع الله بأن يكون نهاية رمضان جسرا نستكمل فيه مشوارنا مع حب الله فيكون عيد الفطر عيدا للوفاء والإخلاص والصدق والهجرة إلى الله بقلوبنا وأنفسنا وسلوكياتنا وأخلاقنا.

 

     وهكذا يتحقق البعد الروحى العميق فى العيد حيث يتسامى المسلمون ويستشعرون آثاره المباركة فى التعاون والإخاء والحب.

 

     ولنا فى هدى رسول ا لله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة وعظة جميلة حيث دعا المسلمون للمشاركة فى حضور صلاةالعيد رجالا ونساءا لاستشعار البهجة والسرور إلى النفس ولاجتماع الأقارب والأصدقاء للتهنئة بالعيد مما يحقق التسامى والتعاون وبذلك يتحقق للمسلمون فى ذلك

اليوم المشاركة الوجدانية التى تشرق بنبضات الإيمان فى حب الخير والصلاح والتقوى.

فليست الأعياد فى الإسلام ذكريات مضت بل كل مسلم له بالعيد صلة وواقع متجدد على مدى الحياة.

 

     واظهار السرور والبهجة فى النفس فى العيد من الشريعة التى شرعها الله لعباده وترويح البدن وبسط النفس بما ليس محظورا أو شاغلا عن الطاعة من آداب العيد.

 

     إن مسحة على شعر يتيم هى عيد، ولمسة وفاء تقدمها لوالديك هى عيد، وكل كلمة طيبة تؤثر بها وتهديها إلى الآخرين هى عيد.

 

     إن أحزان الأيام وآلامها تهون أمام رضا الله عليك ..

     من السهل أن يصنع المسلم كل يوم عيد بأقواله وأفعاله وقيمه ومبادئه فتصبح الأعياد التى صنعها المسلم قيمة تضاف إلى الأعياد العظيمة التى شرعها الله

 

     وهكذا نجعل من عيد  الفطر نهرا متجددا خصبا من الحب والوفاء والولاء على مدى الأيام.

الروح و البصيرة

    

 

الروح والبصيرة 

د.ناهدالخراشي

 كاتبة وعضو اتحاد الكتاب

استشاري تدريب و علوم سلوكية و اجتماعية

خبيرة الصحة النفسية

لايف كوتش

المستشار الثقافي للإتحاد العربي لحقوق الملكية الفكرية

 

 

     إن الروح هبة من الله إلى الإنسان، وللروح إشراقات نورانية تعتبر من خصائص الروح وهى منحة من الله يهبها لمن يشاء من عباده .

 

     ومن إشراقات الروح  البصيرة والإلهام.

 

     والبصيرة قوة للقلب منورة بنور القدس منكشف حجابها بهداية الحق، ترى بها حقائق الأشياء وبواطنها،وهى بمثابة البصر للنفس التى ترى بها صور الأشياء وظواهرها.

 

     أما الإلهام فهو ما يلقى فى الروح بطريق الفيض وقيل الإلهام ما وقع فى القلب من علم ومعرفة.

 

     والعلم الإلهامى عند الغزالى هو إما أن يكون وحيا للأنبياء والمرسلين، وإما أن يكون إلهاما للأولياء والصالحين والعلوم الإلهامية أو علوم الوجد عند الشعرانى موارد تتوالى من الرب على خاطر العبد.

 

     فالعلم الإلهامى نور يقذفه الله فى قلب المؤمن فيصبح علما وعالما ومعلوما جميعا، والقلب الصادق مرآة مستمدة لأنه يتجلى فيها حقيقة الحق بالأمور كلها.

 

     وأعلى درجات العلم هى البصيرة.

 

     يقول الله تعالى:

 

     ( قل هذه سبيلى أدعوا الى الله على بصيرة أنا ومن اتبعنى )      ( يوسف: 108 )

 

     وأهل البصائر هم الداعين إلى الله على بصيرة.

 

     فالبصيرة نور يقذفه الله فى القلب يرى به حقائق الأشياء.

 

     والبصيرة تفجر المعرفة، وتنبت الفراسة، ولقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

     ( احذر فراسة المؤمن فإنه يرى بنور الله)..

 

     بهذه البصيرة تتفجر من قلب صاحبها ينابيع من المعارف التى لا تنال بكسب ولا دراسة إلى هو إلا فهم  يؤتيه  الله على قدر بصيرة قلبه.

 

     والبصيرة تنبت فى أرض القلب الفراسة الصادقة وهى نور يقذفه الله فى القلب يفرق به بين الحق والباطل، والصادق والكاذب .

 

     وعلى حسب قوة البصيرة وضعفها تكون الفراسة.

 

     والفرق بين البصر والبصيرة هو الفرق بين  الظاهر والباطن، فبالبصر يرى الإنسان الأشياء، وبالبصيرة يدرك الإنسان  الحقائق.

 

     وإذا كانت الروح هى الطاقة التى تهب الحياة للإنسان، فإن  البصيرة هى نور به حياة القلوب ينيرها ويبصرها بحقائق الأشياء.

 

     ونور البصيرة نعمة وملكة يهبها الله لمن يشاء من عباده وتستلزم الإخلاص والصفاء النفسى وإشراقة ربانية من إشراقات الروح ممتزجة بلمسات من الحنان الإلهى والعطاء الربانى.

    

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

روحانيات رمضان

روحانيات رمضان

د.  ناهد الخراشى

 كاتبة وعضو اتحاد الكتاب

استشاري تدريب و علوم سلوكية و اجتماعية

خبيرة الصحة النفسية

لايف كوتش

المستشار الثقافي للإتحاد العربي لحقوق الملكية الفكرية

 

 

 يهل علينا شهر رمضان بنفحاته وبركاته وإشراقاته النورانية، ولا شك أن طاقتك الروحية تزداد في رمضان أضعاف ما تفعله في غير رمضان حيث تتذكر أنك في أفضل شهور السنة، وهو الشهر الذي أنزل فيه القرآن وفيه ليلة خير من ألف شهر.

في رمضان نشعر بحلاوة الدعاء والمناجاة إلي الله فتستعد له بإحياء سنة رسول الله صلي الله عليه وسلم وتذكر أقواله:-

حيث قال عليه الصلاة والسلام:-

( جعلت قرة عيني في الصلاة ) حيث يجد فيها الإنسان طمأنينة القلب وسلام النفس وانشراح الصدر وتمام السعادة فيقبل عليها الإنسان مشتاقا خاشعا.

كما يقبل علي الصيام عن الطعام استجابة وطاعة لأمر الله لتخلية القلب للذكر والفكر، وليتذكر غيره من الفقراء والمحتاجين ويشاركهم آلامهم وفي ذلك عظة وعبرة لمشاركة الغني الفقير فيما يشعر به من ألم الجوع والحاجة .

وكما يصوم عن الطعام فهو يصوم عن الكلام فيتطهر لسانه من الغيبة والنميمة والكذب وإفشاء الأسرار وكل ما يفسد القلب.

وليتذكر حديث رسول الله صلي الله عليه وسلم:-

                            ( من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة ان يدع طعامه وشرابه)

وفي رمضان يقبل الإنسان علي قيام الليل للصلاة وتلاوة القرآن الكريم ، وهو من أفضل الأعمال التي شرعها الله للمسلمين بعد الصلاة المكتوبة فهو دأب الصالحين، وسبيل المحبين، وطريق التائبين .. فيه تتجلي النورانية والشفافية علي العبد الصالح الذي اتخذ حياته سلوكا وخلقا وعلما وعملا حبا لله طامعا في رضاه وحده.

وفي هذا الشهر الكريم .. يحيا الإنسان في ظلال الروحانية حيث يقل لغو الكلام، وتزول آثار كثرة الطعام، ويكون القيام موضع المنام، ويقضي وقت السحر في الاستغفار والذكر داعيا لاجئا إلي الله الذي يجيب المضطر إذا دعاه بأن يقبل صيامه ويجعل هذاالشهر الكريم زادا ودفعة قوية لأن يحيا في الروحانية والنورانية أيام العمر ، وليترك الباطل وما يفسد حياته في سبيل أن ينعم بنبضات الحب الإلهي وتشمله لمسات الحنان الإلهي .. فيمن الله عليه بإشراقات ونورانيات هي روحانية لا تؤتي إلا لمن دخل في محراب العبودية.

وليكن رمضان فرصة لنا جميعا نشحن بها قوانا، فنبتعد عن المعاصي وندخل في ظلال الحب والرحمة والنور.

الصوم و أثره في الصحة النفسية

الصـوم وأثره في الصحة النفسية

د.  ناهد الخراشى

 كاتبة وعضو اتحاد الكتاب

استشاري تدريب و علوم سلوكية و اجتماعية

خبيرة الصحة النفسية

لايف كوتش

المستشار الثقافي للإتحاد العربي لحقوق الملكية الفكرية

 

 

الصحة النفسية هي قدرة الإنسان علي إزالة العقبات التي تواجهه بسلوك سوي يتميز بالمرونة والتي تكفل له التوافق السليم مع هذه العقبات، ومن ثم يتحقق له الاتزان النفسي الذي يعتبرالمؤشر الطبيعي الجيد للصحة النفسية.

وترتبط الصحة النفسية بالحياة الفاضلة والأخلاق الحميدة بما يكفل التوازن بين احتياجات الجسد والروح ، ومطالب العقل والقلب.

وإذا كانت الصحة العضوية هي خلو الجسم من الأمراض والآلام وسلامة الأجهزة العضوية وأعضائها ووظائفها الفسيولوجية من أية اضطرابات أو خلل أو تشنجات بما يكفل للإنسان النشاط والقوة والحيوية أثناء ممارساته العادية في حياته اليومية.

فإن الصحة النفسية هي خلو النفس من المشاعر السلبية بكافة أنواعها وعلي مختلف درجاتها ومستوياتها بما فيها الحقد والكراهية والغيرة والحسد وسوء الظن والغضب والعدوانية بنوعيها اللفظي والعضوي والتفكير غير العقلاني والاستسلام للشهوات.
وذلك علي سبيل المثال وليس من باب الحصر بما يكفل للإنسان الراحة والرضا والطمأنينة والهدوء والسكينة لنفسه بما ينعكس علي سلوكياته الإيجابية بشكل عام مع المحيطين به والمخالطين له في الأسرة والجيرة وأماكن الدراسة والعمل.

وبناء عليه فإن الاتزان النفسي يدل علي الصحة النفسية الجيدة ويرتبط ارتباطا وثيقا بالأخلاق الحميدة التي توفر سلامة النفس والبدن علي حد سواء.
ولذلك كان رسول الله صلي الله عليه وسلم رائدا وإماما ومعلما ومرشدا ونموذجا وأسوة في مجال الصحة النفسية الجيدة لأن خلقه كان القرآن.

وكذلك كان صحابته الذين يتبعون خطاه ويسيرون علي نهجه وسنته وهداه في مقدمة الأصحاء عضويا ونفسيا في تاريخ السيرة النبوية الشريفة.

وللصوم أثر كبير في تحقيق الصحة النفسية للإنسان .. ففيه تدريب للإنسان علي مقاومة شهواته والسيطرةعليها مما يبث روح التقوي عنده.

” يأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب علي الذين
من قبلكم لعلكم تتقون ” .( البقرة: 183)

واستمرار هذا التدريب النفسي علي ضبط الشهوات والسيطرة عليها يقود الإنسان إلي التحلي بقوة الإرادة، وصلابة العزيمة .. ليس في التحكم في شهواته فحسب وإنما في سلوكه العام في الحياة ، وفي القيام بمسئولياته وآداء واجباته ، ومراعاة الله تعالي في كل ما يقوم به من أعمال.
وفي ذلك أيضا تربية لضمير الإنسان، فيصبح الإنسان ملتزما دائما بالسلوك الحسن الأمين بوازع من ضميره من غير حاجة إلي رقابة من أحد عليه.

وفي الصيام أيضا تدريب للإنسان علي الصبر علي الجوع والعطش والامتناع عن الشهوات مما يعلمه الصبرعلي تحمل مشاق السعي وراء الرزق، وآلام المرض، ومتاعب الحياة وكوارثها.

والصبر من الخصال الإنسانية الحميدة التي أوصي الله تعالي الإنسان كي يتحلي بها حيث أنها تعينه علي مجاهدة النفس ومقاومة أهوائها وشهواتها، ولنا في أنبياء الله أسوة حسنة وقدوة طيبة نقتدي بها.

ومن الفوائد النفسية للصيام شعور الغني بآلام الجوع مما يبعث في نفسه الرحمة والشفقة علي الفقراءوالمساكين مما يدفعه إلي البر والاحسان إليهم .. الأمر الذي يقوي في المجتمع روح التعاون والتضامن والتكافل الإجتماعي.

وللصوم آثار إيجابية كبري في التخلص من المشاعر السلبية المصاحبة للإنسان، كما أنه علاج للإكتئاب والقلق والوساوس حيث أن التقرب إلي الله يمنح أملا في الثواب ، ويجدد الرجاء دائما لدي الإنسان في الخروج من دائرة اليأس، والمشاركة مع الآخرين في الصيام والعبادات والأعمال الصالحة تساعد علي إنهاء حالة العزلة التي يفرضها الإكتئاب.

كما أن شعور الإطمئنان المصاحب لصيام رمضان وذكر الله بصورة متزايدة خلال هذا الشهر يسهم في التخلص من مشاعر القلق والتوتر ويحقق للإنسان السكينة والإطمئنان.

كما أن الصوم يسهم في تقوية إرادة المرضي الذين يعانون من الوساوس القهرية فاستبدال اهتمامهم بهذه الأوهام ليحل محلها الانشغال بالعبادات وممارسة طقوس الصيام والصلوات والذكر مما يعطي دفعة روحية داخلية تساعد المريض علي التغلب علي تسلط الوساوس المرضية.

إن استقامة النفس بالصوم هي الباب الملكي إلي الأمن النفسي وتحقيق التوازن والاعتدال بين حاجات النفس والجسم جميعا.