إسلامية

رمضان وتغيير النفس

يهل علينا شهر رمضان بنفحاته وبركاته وإشراقاته النورانية ، ولا شك أن طاقتك الروحية تزداد في رمضان إضعاف ما تفعله في غير رمضان حيث تتذكر أنك في افضل شهور السنة، وهو الشهر الذي أُنزل فيه القرآن
وفيه ليلة خير من ألف شهر.

وفي هذا الشهر الكريم يحيا الإنسان في ظلال الروحانية حيث يقل لغو الكلام ، وتزول آثار كثرة الطعام
ويكون القيام موضع المنام ويقضي وقت السحر في الإستغفار والذكر داعياً لاجئا إلي الله الذي يجيب المضطر إذا دعاه بأن يقبل صيامه ويجعل هذا الشهر الكريم زاداً ودفعة قوية إلي تغيير النفس وإصلاحها.

وما نحياه في هذه الأيام …ثورة بكل معانيها.. ثورة علي كل ماهو فاسد وباطل التي تكمن في أعمق معانيها الدعوة إلي التغيير

وتتحسن حياتنا عندما نقدم علي التغيير..
وأهم خطوات التغيير صدقك مع نفسك.

قال الله تعالي:
“إن الله لا يغير ما بقوم حتي يغيروا ما بأنفسهم ”
} الرعد: 11{

والتغيير ينبع من النفس ويتجلي في الذات الإنسانية وما تقوم به من أعمال مما يشير إلي أن هناك إختلافاً بين النفس والذات الإنسانية.
فالنفس هي طاقة موجهة نحو سلوك إما في طريق الخير أو الشر.

أما الذات الإنسانية فهي تلك المنظومة المتكاملة التي يتكون منها الإنسان من روح وجسد وفكر وقلب وعقل.
ويُعد قانون التغيير إحدي قوانين النجاح الذي يرتكز علي عدم القبول لأنن تكون سجيناً لأي ظروف أو مواقف,وإنك تستطيع أن تغير حياتك من خلال تغيير النفس ومراقبة الذات وهي سنة إلهية جعلها الله قانونا في الحياة.

وأولي ركائز التغيير هو التصالح مع أنفسنا من خلال عقد النية بالتغيير المصحوبة بالإرادة والرغبة في الإبتعاد عن كل ماهو آثم ويبعدنا عن طريق الله والدعاء إلي الله بأن يهبنا نور البصيرة ثم العزم علي التوكل عليه وسلك الطريق الصالح الذي يحقق لنا الأمن والأمان فنحيا في إمتتنان لك وتصالح مع النفس وتغيير يقودنا إلي النجاح.

ولشهر رمضان وروحانياته وإشراقات النفس التي تنبع من نورانية القرآن العظيم فرصة للتغيير بدءا من الصدق مع النفس وإنتهاء بنموزج خلقي كما علمنا الله ورسوله فيمُن الله علينا بحياة آمنة مطمئنة تهب لنا السعادة التي نصبو إليها.

الصفاء النفسـى واستقبال رمضان

يهل علينا شهر الصوم بنفحاته وأنواره وفيوضاته وفى رمضان تشرق النفس على العطاء والحب والنقاء تستشعر حلاوة القرب فنسعى لتحقيق صفاء ونقاء تشتاق اليه لتنعم فى ظلاله.

والصفاء النفسى درجة من درجات الايمان ، ونعمة من نعم الله يمن بها على عبده المحب المؤمن حيث يشعر بأن هناك نورا يسرى فى كيانه يهذبه ويصقله ويوجهه الى كل ما هو خير وفاضل وكريم.

ولتحقيقه يتطلب من الانسان سلوكيات خاصة مثل العفو، والصدق، والصبر، والاخلاص، وكظم الغيظ والاحسان والرضا مما يدفع الانسان الى التحلى بالخلق القرآنى، ومن تحلى بالخلق القرآنى وعرفه حق المعرفة وقاه الله شرور الدنيا وآثامها.

وتفويض الأمر لله، والاحتساب عند الله يمنح الانسان قوة كبرى.. قوة يستمدها من حبه لله وثقته بالله.. قوة تعطيه القدرة على الصبر وتمنحه الهدوء والسكينة والأمان مما يؤدى الى صفاء النفس والذهن.

والصفاء اسم للبراءة والتخلص من الهم والكرب والغم والكدر، وهوعلى ثلاث درجات:

1- صفاء علم : وهو العلم الذى جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا العلم الصافى المتلقى
من مشكاة الوحى والنبوة، يهذب صاحبه لسلوك طريق العبودية وحقيقتها التأدب
بآداب رسول الله صلى الله عليه وسلم والاقتداء به فى جميع الأحوال.

2- صفاء حال : وهذه أعلى مما قبلها وهى ثمرة لصفاء العلم ويذاق به حلاوة التضرع والمناجاة
لله سبحانه وتعالى.

3- صفاء اتصال: وفى هذه الدرجة يكون الانسان موصولا بالله بحيث تكون صلته بالله هى اللحظة
الممتدة فى حياته بمعنى ان تكون الدنيا فى يدك وليست فى قلبك وأنت الذى
تملكها راضيا فى كل الأحوال آملا فى القرب من الله.

وفى الحيقيقة ان صفاء الاتصال سبيل من سبل القرب حيث يرى الانسان جمال صنع الله فى كل شىء ، ولا يشاهد الا فى الحقيقة والحق فى كل موجود وانه يشعر بنعمة الله وفضله فى كل لحظة. فأمنه مع الله وسعادته مع حب الله وذكره فيجعل السالك حبه لله هوالقانون الذىيحكم حياته فيوجهه فى كل تصرفاته وأعماله فتصبح الحياة والعطاء والاحسان والاخلاص والسلوك والعمل كله حبا لله ولمرضاة الله وحده.

والصفاء النفسى سبب للسعادة فى الدنيا والآخرة وهو يرتبط بالايمان والحب الالهى.. فكلما ازدادت محبة العبد لله، ازدادت طاعته وصفا قلبه ، وكلما صفا قلبه فاز بالقرب ، والقرب سبيل الى المعرفة ومن عرف لزم، وفى الالتزام الخير الكثير.

والصفاء النفسى يحقق للانسان الاطمئنان والسلام الروحى العميق، وهو طريق الى الأمن النفسى، والسعادة الكاملة هى السعادة التى تكمن فى حب الله حيث يكون هذا الحب هو القانون الذى يحكم الحياة وهو الموجه لكل الأفعال والسلوكيات، وهو القائد للأخلاق فتنهل المعرفة من نبع الحب الفياض.. حب الله فيصبح هذا المحب صافيا فياضا عالما بأسرار القلوب، وكنوز المعرفة، وحكمة الحياة باذن الله وحده وفضله وبسلطان منه وحده.

السعادة الكاملة فى حبه وطاعته وذكره ، والصفاء عند بابه.. والرضا بكل شىء حق علينا.

والاستشعار بنعمة الله وفضله وحمده، فى كل لحظة سبيل من سبل القرب والاتصال الذى يبعث على الصفاء والنقاء والحياة النورانية المشرقة.

وبقدر ما يحصل الانسان من الصفاء يكون له من الاصطفاء.

فضل الأم

من هي الأم…؟
الأم هي مصدر الحنان والرعاية والعطاء بلا حدود.هي النقاء والعطاء بكل صوره ومعانيه.
ولقد عُني القرآن الكريم بالأم عناية خاصة، وأوصى بالاهتمام بها، حيث أنها تتحمل الكثير كي يحيا ويسعد أبناءها.ولقد أمر الله سبحانه وتعالى ببرها وحرم عقوقها، وعلق رضاه برضاها، كما أمر الدين بحسن صحبتها ومعاملتها بالحسنى رداً للجميل، وعرفاناً بالفضل لصاحبه.
وحث النبي صلي الله عليه وسلم على الوصية بالأم، لأنها أكثر شفقة وأكثر عطفاً لأنهاهي التي تحملت آلام الحمل والوضع والرعاية والتربية، فهي أولى من غيرها بحسن المصاحبة، ورد الجميل، وبعد الأم يأتي دور الأب لأنه هو المسئول عن النفقة والرعاية فيجب أن يرد له الجميل عند الكبر.
والإسلام قدم لنا الأم بالبر على الأب لسببين:
أولاً: أن الأم تعاني بحمل الابن سواء كان ذكراً أم أنثى وولادته وإرضاعه والقيام على أمره وتربيته أكثر مما يعانيه الأب، وجاء ذلك صريحاً في قوله تبارك وتعالى:
( ووصينا الانسان بوالديه حملته امه وهنا علي وهن وفصاله في عامين ان اشكر لي ولوالديك والي المصير )

[لقمان: 14]
ثانياً: أن الأم بما فطرت عليه من عاطفة وحب وحنان أكثر رحمة وعناية واهتماماً من الأب، فالابن قد يتساهل في حق أمه عليه لما يرى من ظواهر عطفها ورحمتها وحنانها.
لهذا أوصت الشريعة الإسلامية الابن بأن يكون أكثر براً بها وطاعة لها، حتى لا يتساهل في حقها، ولا يتغاضى عن برها واحترامها وإكرامها.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله e فقال: يا رسول الله: من أحق الناس بحسن صحابتي؟ فقال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أبوك. متفق عليه.
والصحبة والمصاحبة هي الرفقة والعشرة، وأولى الناس بحسن المصاحبة وجميل الرعاية ووافر العطف والرفقة الحسنة هي الأم التي حملت وليدها وهناً على وهنٍ.
قال القرطبي: إن هذا الحديث يدل على أن محبة الأم والشفقة عليها ينبغي أن تكون ثلاثة أمثال محبة الأب، وذلك أن صعوبة الحمل، وصعوبة الوضع، وصعوبة الرضاع والتربية، تنفرد بها الأم دون الأب، فهذه ثلاث مشقات يخلو منها الأب.
ولقد كرم الإسلام الأم واعتبر لها مكانة عظيمة، فهي التي حملت وأنجبت وربت وضحت، وتحملت الكثير كي يسعد أبنائها، وحافظت على النعمة التي أنعم بها الله عليها “نعمة الأمومة” وعلّمت وقوّمت لتخرج جيلاً فاضلاً يشع بالإيمان والحب والخير والعطاء الغزير، والوفاء الكبير.
فالأم غالية وشامخة في كل يوم، ولابد من تكريمها والبر بها في كل لحظة، سواء أكانت على قيد الحياة أم في رحاب الله.
والجنة تحت أقدام الأمهات، ومن بر أمه وتحمل في سبيل تكريمها واحترامها وعرف أنه مهما قدم فلن يوفي حقها، وأنها طالما تحملت من أجله، لكي يحيا ويسعد ويهنأ … قد أطاع الله ورسوله وأصبح من الفائزين بحب الله ورضاه وبمكان في الجنة.

الارتقاء والانتكاس فى طريق الله

لكل منا وقفات مع النفس يراجع فيها نفسه فى طريقها وسلوكياتها… فالمراجعة النفسية دائما تكون مريحة ومثمرة ودافعة لطريق جديد كله جهاد وكفاح وحب وخير حيث المثابرة والصبر والارادة على سلك الطريق حبا لله وطمعا فى رضا الله، وأملا فى القرب من الله.

وطريق الله.. طريق صعب وشاق وكله جهاد مع النفس، ومن يسلك طريق الله، يعرف أن سبيل الهبوط والانتكاس أسهل بكثير من سبيل الصعود والارتقاء للفوز بالقرب من الله ورضاء الله وحب الله… و لكن كيف ذلك..؟

أولا : سبيل الهبوط والانتكاس

من السهل على من يسلك طريق الله أن ينتكس وينحدر الى الهبوط وذلك اذا نسى الله فأنساه نفسه، وانغمس فى ملذاته وشهواته وأهوائه ورغباته وابتعد عن ذكر الله ولم يعد يحمد الله أو يشكره على أى نعمة يتلقاها وينسب فضل التوفيق أوالنجاح فى أى أمر من الأمور الى نفسه وشخصه فيصاب بالغرور والتكبر وتجد الآفات النفسية مكانا فى نفسه للاستقرار، ويجد الشيطان فرصة مناسبة للدخول وساحة واسعة عريضة للتمكن فيمارس وظيفته فى الوسوسة والغواية مما يقضى على هذا الانسان ويؤدى به الحال فى النهاية الى الانحدار والانتكاس والهبوط الى الهاوية.

ويحس ا لانسان أنه بدلا من أن يسلك طريق الله ويرتقى فيه… يسلك طريق الهوى والشيطان.. وبدلا من أن يهتدى.. يجد نفسه يضل، وبدلا من أن يطبع نفسه على التهذيب والترقى والاصلاح يجد نفسه ينحدر وينزل الى مستوى النفس الأمارة بالسوء البعيدة عن الله، وبدلا من أن يتخذ الله وليا أصبح يتخذ الشيطان وليه، وبالتالى نتيجة لكل ذلك يبتعد الخير عن طريقه، وتهرب البركة من حياته ويقفل أمامه باب الأمن والاستقرار النفسى والسلام الروحى.

فمن السهل أن ينحدر الانسان ويهبط حيث يأخذ هذا الهبوط لحظة ابتعد فيها الانسان عن الله… أما الصعود فهو طريق صعب ويأخذ أياما وسنوات للترقى والقرب من الله.

ثانيا : طريق الصعود والارتقاء

إن طريق الصعود والارتفاء طريق صعب وطويل وشاق ويحتاج الى صبر جميل، وايمان عظيم، وحب كبير يجرى فى دم الانسان وعروقه ينطق به ويحيا فيه كل ذرة فى وجدانه وكيانه.

انه طريق يحتاج فى كل لحظة الى تذكر الله ونعمة الله وفضل الله ورحمة الله… انه طريق يتطلب من الانسان عمل كبير ومجهود عظيم فى كل لحظة للترقى ولصفاء نفسه وتطهير قلبه من الشوائب هادفا الأمل فى الله وحده، والرجاء فى الله وحده… عمل لايهدف ولا يطمع الا فى حب الله، ورضا الله، والقرب من الله.

انه طريق يتطلب من الانسان المراقبة والمراجعة النفسية المستمرة حتى يعرف عيوبه ويحاول أن يقوم من نفسه ويهذب من أخلاقه ويصلح من أفعاله ناشدا فى كل لحظة عون الله ورحمته وعنايته ومغفرته.

انه طريق يحتاج الى صبر و صدق واخلاص فى القول والعمل، والسريرة والعلانية.. فى الظاهر والباطن.

إنه طريق يتطلب من الانسان فى كل قول و سلوك وعمل أن يضع دائما الهدف هو الله، وما يرضى الله ، وبذلك يكون الله دائما فى وجدانه وكيانه يخشاه ولا يخشى أحدا سواه، يعمل حبا لله، ويحس بأن الله خلق هذه الدنيا لكى ننعم فيها بحب الله، ونشعر بجمال حب الله.

ولذلك فان الذكر من أهم السبل التى تعين الانسان فى طريق الله، حيث أنه بذكر الله الدائم وحمده وشكره وتسبيحه وتقديسه سبحانه وتعالى يقيه من آفات النفس البشرية ومن آثام وشرور وشوائب هذه النفس الأمارة بالسوء ويحميه من الانزلاق فى حبائل شياطين الانس والجن حيث أن الانسان بذكره لله يكون دائما فى دائرة النور الالهى مما يساعده على صفاء نفسه وطهر قلبه ما يجعله يراقب كل سلوك، وكل قول، وكل فعل فى كل لحظة آملا فى عون الله، ورضا الله مما يعينه على الترقى فى الطريق طامعا ناشدا القرب من الله.

ولذلك فهو طريق صعب لأنه يحتاج إلى عمل دائم وصبر جميل وذكر كثير ومراجعة نفسية مستمرة على طول الطريق مما يساعد على تغيير الانسان فى سلوكه وأخلاقه وأفعاله مما يثمر ثمرة نورانيه فى طريق ا لله حيث يشعر بالاطمئنان والاستقرار النفسى والأمن مع الله والهناء فى حب الله والأنس بالله والسعادة مع طريق الله.

انه طريق يجعل الانسان دائما مشغولا بالله… منشغلا بطريق الله .. فكره ووجدانه وكيانه كله لا يفكر الا فى الله وكيفية السير فى طريقه آملا فى رضاه والقرب منه سبحانه وتعالى…

ومن هذا المنطلق كان الطريق صعبا وشاقا وما يحصل عليه الانسان فى الطريق من ثمرات وفتوحات وتجليات واحساس بالأمن النفسى.. انما حصل عليها بفضل الله وحده وأمره سبحانه وتعالى وحده ثمرة وثوابا لجهاد هذا الانسان فى الطريق.

ولذلك اذا جاءت لحظة ونسى الانسان كل هذا الخير والنعيم الذى أنعم عليه وانقاد الى طريق الهوى والشيطان ينحدر ويهبط بسهولة ويفقد ما حصل عليه فى سنوات وسنوات.

ومن هنا كان طريق الصعود والارتقاء فى طريق الله أصعب بكثير من طريق الهبوط، والذكر هو أهم السبل التى تعين الانسان فى الطريق وتساعده فى المحافظة على صعوده وارتقاءه وصفاء نفسه

القيم من المنظور الاسلامي

إن القيمة هي كل ما يعتبر جديرا باهتمام الأفراد وعنايتهم، لاعتبارات اجتماعية نابعة من المجتمع، أو اعتبارات اقتصادية تهم حياة الأفراد وعيشهم، أو اعتبارات نفسية ترضي نوازع الأفراد وتسد حاجاتهم، أو اعتبارات أخلاقية تربوية تهييء لهم العيش المريح بأسلوب مرضي عنه بين جماعتهم.
والقيم بشكل عام تنتمي الي أنماط السلوك التي يكتسبها الفرد عن طريق مروره بمؤثرات خارجية وهي أحكام مكتسبة من الظروف الاجتماعية ، يتشربها الفرد ويحكم بها وتحدد مجالات تفكيره، كما تحدد سلوكه وتؤثر في عمله وتعلمه، فالصدق والأمانة والشجاعة وتحمل المسئولية ، كلها قيم يكتسبها الفرد من المجتمع الذي يعيش فيه، وتتصل القيم بالسلوك الانساني حيث أنها تحكم علي هذا السلوك من حيث الخير والشر ، والحق والباطل ، والجمال والقبح ، وأن اهم هدف من أهداف التربية هو الارتقاء بالسلوك الانساني نحو هذه القيم .
والقيم من المنظور الاسلامي هي مجموعة المباديء والقواعد والمثل العليا التي نزل بها الوحي والتي يؤمن بها الانسان ، وتحدد سلوكه في ضوئها وتكون مرجع حكمه في كل ما يصدر عنه من أقوال وأفعال وتصرفات تربطه بالله والكون. ولقد شرع الله عز وجل للانسان من المباديء والقيم ما يضبط به سلوكه ويدير حياته وينظم علاقاته ويحميه من تدمير ذاته أو غيره، وقد جاءت الرسالات السماوية لتكشف للناس عن القوانين الأخلاقية والقيم الانسانية شيئا فشيئا الي أن جاءت الرسالة الخاتمة .. رسالة الاسلام، وقد لخص النبي صلي الله عليه وسلم رسالته كلها في عبارة جامعة حين قال ” انما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”
والقيم الدينية الاسلامية متسعة ومن أهم خصائصها الربانية، الانسانية، الشمول والتكامل ، والوسطية، والتوازن ، والوضوح.
ومما يؤسف له أننا في هذا الزمان نفتقد الي القيم الاخلاقية وفي أشد الحاجة للرجوع الي التراث الاسلامي وأن نحيا تحت مظلة القيم اذا كنا نريد تحقيق الحياة المتوازنة العادلة.
فلا يوجد عدل بلا أخلاق ولا يوجد توازن دون قيم تحكم الطبيعة الانسانية لتحقق التوازن المنشود.
ولقد نسينا أو تناسينا أن أمة اقرأ هي أمة الأخلاق حيث انفردت رسالة رسول الله صلي الله عليه وسلم بالأخلاق الكريمة وأنه عليه الصلاة والسلام بعث ليتمم مكارم الأخلاق.
أين مكارم الأخلاق في حياتنا ونحن نحيا زمان الارهاب والاغتصاب وقلب الحقائق.
نحن في حاجة الي ثورة في معتقداتنا .. ثورة تبني مكارم الأخلاق وتعيد لأمة اقرأ التوازن والتكامل والشمول والوحدة الانسانية.

ملوك العلم والحضارة

تطفو علىا لسطح فى هذه الأيام ظاهرة غريبة هى دعوة فاسدة خفية تنتشر فى المجتمعات الاسلامية والعربية تدعو الى أن التمسك بالدين والارتباط بالقيم الروحية والمثالية طريق التأخر والتخلف أما الاتجاه الى الماديات والأخذ بالأسباب والظواهر المادية هو طريق الحضارة وسبيل التقدم والرخاء.

ولنقف هنا وقفة تأمل طويلة لعلها توقظنا من غفلتنا لنعيد حساباتنا مرة أخرى ولنعلم أنها دعوة خطيرة موجهة الى المسلمين فى كل مكان هدفها البعد عن طريق الله.

ولنرجع بأذهاننا ووجداننا الى الوراء، الى عهد ظهور الاسلام عندما كان المسلمون يتمسكون بدين الله وشريعة الله ويغرفون من كنز الحياة الروحية والارتباط بالقيم والمثالية .
ماذا أثمر ايمانهم بالله وحبهم له وحده الذى كان يجرى فى عروقهم ودمائهم.

فلقد أثمر عن حقيقة ثابتة عبر الأيام والسنين.. شاهدة على نفسها فى الماضى والحاضر والمستقبل باذن الله وأمره وهذه الحقيقة هى أن أصبح المسلمون وقتئذ بهذا الايمان الحى النابض بحب الله وحده والسعى اليه وحده.. ملوك العلم والحضارة رواد التقدم والرخاء.. قواد الأمن والسلام.

فلقد ولد الاسلام عملاقا، ولم تمر ا كثر من مائتى سنة على ميلاده الا وأصبح المسلمون يقفون على أحوال العالم ويتصدرون باعتبارهم الأئمة على مفاتيح الفنون والعلوم.

ان الفكر السليم ينبع دائما من الفطرة السليمة، والفطرة السليمة تواكب الدين، والدين القيم هو قمة الحقيقة والمعرفة فاذا ابتعد الانسان عن حقيقة الدين فكأنما ابتعد عن النور الذى يهديه سواء السبيل، ولا يهتدى ابدا الى الحق الذى هو غاية كل انسان فى الوجود.

فاذا جنى المفكر المسلم ثمار طاعته لله، فانه سيقدم لنا مما لاشك فيه اضافات صادقة ومعانى عميقة تعطى للوجود معنى، وللحياة رسالة وعلى الانسان أن يؤدى هذه الرسالة وهو مطمئن النفس الى أن الله معه يؤيده ويثبت قلبه.

لقد سبق العلماء المسلمين العالم كله بقرون عديدة حيث بحثوا فى جملة من العلوم وفى تخصصات مختلفة مما ينم عن غزارة معارفهم، وشمولية نظرتهم، واكتمال فكرة وهذه ثمرة طيبة لاستقاء علومهم من القرآن الكريم والسنة المحمدية.

ومن هذه العلوم التى نبغ فيها العلماء المسلمون وكان لهم السبق الأول فى بناء الحضارة الاسلامية:
التشريع، التربية والأخلاق، الاجتماع، الانثروبولوجى ، علم النفس، الطب، الصيدلة، الكيمياء، الطبيعة، الفلك، الرياضيات، الميكانيكا، الموسيقى.

ولقد أخذها عنهم غيرهم من الأمم والشعوب وتقدموا بها حتى وصلوا الى حضارة القرن العشرين.

ان كل حضارة من الحضارات دور قامت به، وما كانت لحضارة أن تسبق حضارة أخرى فى دورها، فالحضارة التالية تأخذ من الحضارة السابقة وتزيد عليها، وهكذا أيضا فى مجال العلم فلولا البيرونى والخوارزمى وابن الهيثم وابن حيان وابن سينا وابن يونس وغيرهم من الأفذاء من العلماء المسلمين ماكان جاليليو وكوبرنيكوس ونيوتن وديكارت.

فلولا عصور الحضارة الاسلامية وأبحاث العرب العلمية التى بدأت فى القرن الثامن الهجرى… لما بدأت الحضارة الأوروبية فى القرن العشرين أو ربما لم تكن على الاطلاق.

ونعلم جيدا بأن الحضارة الغربية الحديثة قد استقطبت علوم المسلمين وتوصلت بفضلها الى اكتشافات جديدة ومخترعات حديثة الأمر الذى جعل من دولها الفقيرة دولا غنية ومن شعوبها
الفقيرة شعوبا قوية معتزة بنفسها واثقة فى ذاتها.

الا أن الحضارة الغربية لم تستطع أن تنفذ الى روح التراث الاسلامى أو تتعرف على سر حضارة المسلمين حيث أنها لم تغنم منها الا الجانب المادى فحسب، أما الجانب الروحى من الحضارة الاسلامية فلم تستطع أن تقلده أو تلمسه ولذلك لم تنجح الى الآن فى العثور على القيم والمفاهيم والمثل العليا التى كانت تحرك ضمير الأمة الاسلامية ابان حضارتها الزاهرة التى استمرت قرونا عديدة.

نحن فى أشد الحاجة لأن نستفيد من الجانب المادى من الحضارة الغربية لتطوير مجتماعتنا باستخدام الوسائل والأساليب الحديثة التى سبقنا الغرب اليها، لكنا يجب ألا نغفل عن الجانب الروحى والذى به تتكون ذاتية الأمة وتحدد مفاهيمها وأخلاقياتها ومثلها العليا.

من الصعب على الحضارة الغربية أن تنفذ اليه مهما استخدمت من الوسائل والتجارب الا أنه سهل وميسور علينا حيث انه صادر من الينبوع الذى لا ينضب وهو كتاب الله وسنة رسوله الأمين.

اننا لن نبذل جهدا كبيرا فى الوصول الى سر التقدم المذهل للمسلمين بان حضارتهم الزاهرة، اذا كان رائدنا حقا التمسك بأهداب الدين والعمل بشريعة الله.

ان سر تقدم المسلمين انما هو تطبيقعهم لشريعة الله، والعمل بها ظاهرا وباطنا، ومتى كان حكم الله قائما وجد التحضر والرخاء، ومتى بطل العمل بحكم الله وجد التأخر، والانحلال والمجاعات.

وان أعداء الاسلام يعرفون ذلك جيدا، ولهذا فهم ينشرون هذه الدعوة الفاسدة بأن التمسك بالدين والاهتمام بالجوانب الروحية انما هو طريق التأخر والتخلف، وانما الاهتمام بالماديات هو طريق التقدم والحضارة.
وهذه دعوة خطيرة تسعى الى الفساد والبعد عن الله، وتهدف الى تأخر المسلمين وتخلفهم وانقطاع أى سبيل من سبل التقدم والرخاء عنهم، وانعزالهم عن جوانب الحياة الزاهرة المتطورة.

مما سبق يتضح لنا أن العلماء المسلمين كانوا حقا ملوك العلم والحضارة، وهم الذين فتحوا الباب نحو التقدم والرخاء بأمر الله، وبفضل تمسكهم بالدين واخلاصهم فى عملهم حبا لله وحده، وهذا يبلور لنا حقيقة هامة وهى:
أن التمسك بالدين ضرورة لا استغناء عنها ابدا وأن الارتباط بالقيم الروحية والمثالية يجنى لنا الكثير من دعاوى فاسدة بالاتجاه الى الماديات والعلم فقط والابتعاد عن الدين والقيم الروحية هو دعوة خطيرة لن تجنى الا التأخر والتخلف والخراب والدما وسيحل غضب الله علينا، فليرحمنا الله… ويهدينا الى سواء السبيل

النفس المطمئنة

النفس المطمئنة هى احدى درجات النفس الانسانية التى ترتقى بأعمالها من حال النفس الأمارة السوء حتى تصل الى مرتبة الاطمئنان.

والطمأنينة هى سكون القلب الى الشىء عدم اضطرابه وقلقه، وقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم :

” البر ما اطمأن اليه القلب ”
أى سكن اليه وزال عنه اضطرابه وقلقه.

وجعل الله سبحانه الطأنينة فى قلوب المؤمنين ونفوسهم، وجعل الغبطة والبشارة بدخول الجنة لأهل الطمأنينة فطوبى لهم وحسن مآب.

والطمأنينة سكون يثمرالسكينة والأمن.

والفرق بين الطمأنينة والسكينة ان الطمأنينة أعم وأشمل وتكون فى العلم واليقين ولهذا اطمأنت القلوب بالقرآن .
أما السكنية فانها ثبات القلب عند هجوم المخاوف عليه وسكونه وزوال قلقه واضطرابه.

والنفس المطمئنة هى النفس التى سكنت واستقرت فى مقام الاطمئنان والسكينة والأمن.

وتمتاز النفس المطمئنة بالسكينة والتواضع والايثار والرضا والصبر على الابتلاء والتوكل.
وتسير بمقتضى الايمان الى التوحيد والاحسان والبر والتقوى والصبر والتوبة والاقبال على الله.

والنفس المطمئنة هى النفس التى تجد أمنها وسكينتها مع ذكر الله.

” الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله
ألا بذكر الله تطمئن القلوب ” ( الرعد: 28 )

أى تطيب وتركن الى جانب الله وتسكن عند ذكره وترضى به مولى ونصيرا.
ثم يؤكد سبحانه بأن اطمئنان القلوب لا يتم الا بذكره.

وروى ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل:

” قل اللهم انى اسألك نفسا بك
مطمئنة تؤمن بلقائك ، وترضى
بقضائك ، وتقنع بعطائك ” (أخرجه الحافظ ابن عساكو)
والنفس المطمئنة نفس متوازنة، متفاعلة متكاملة الجوانب لا يغلب عليها الحس فتتصرف وفقا لغرائزها، ولا يضغىعليها العقل فتتصرف وفقا لمقولات مجردة منطقية ، انما هى تتصرف وفقا لارادة حرة من خلال اشكال جمالية: عمل فنى ، عمل اخلاقى ، عمل علمى.

سمات النفس ا لمطمئنة:
ولكى تحقق هذه النفس التوازن والاستقرار لها سمات تتسم بها:

1- الوحدة فى ملكاتها وعدم التنافر بين فعلها وايمانها الداخلى، أى بين الفعل والقول، الداخل والخارج.

2- انها نفس بسيطة رقيقة ، تلقائية وبهذه الصفات تلمس الأشياء بحواسها الداخلية بمعنى
انها تمتلك نورا بداخلها يبصرها بحقائق الأمور.

3- تتسم بالابتكار والأصالة فهى دائما متجددة مبدعة تبتعد فيها عن النظرة الضيقة المحدو
4- النفس المطمئنة نفس حرة لا تخضع الا لقانون الانسانية الفطرى الذى دعاها الله له فى
خاتم رسالته” اقرأ” فالقراءة قراءة لكل ما فى الوجود من أشياء وجبال وبحاروأناس
وعلاقات تفهم جميعا لتثمر القراءة علم وثقافة وفن وفلسفة وشرط القراءة.. الحرية.

احترام قوانين الكون
هناك قوانين للكون يجب احترامها ، عليك ايها الانسان اكتشافها لتنعم فى الحياة من نعم، ولا تتجاوزها وليس أدل على ذلك من أن الانسان عندما يكسر التوازن الذى تقام عليه قوانين الطبيعة 00 يعانى الأمراض والتلوث والتغيرات الجوية المتقلبة من حرارة شديدة أو برودة شديدة أو نقص اكسجين .. فالقضاء على الغابات مثلا كسر التوازن الذى اقامه الله بين ا ليابس والبحار والغابات، وكذلك كسر التوازن الذى احدثه التقدم حين اعلى من أداء العقل حيث استعبد حركاته وأفعاله التى لابد وان تعمل وفقا لتحقيق غايات عملية معينة، وسلب روحه التأملية وشعوره واحساسه بالقيمة المعنوية للاشياء التى قد لا تحقق اهدافا مادية وبذلك فقد الانسان
” البعد الداخلى ” أى العمق.

الايمان الجميل

بلا شك ان النفس المطمئنة نفسا مؤمنة ايمانا جميلا كاملا00 ايمان بالله خالق هذا الكون الجميل واحترام قوانينه ورسائله للتى انزلها على الانسان، والايمان اوسع واشمل من اقامة
بعض الشعائر وارتداء بعض الملابس ، بل الايمان هو ايمان بالله والحياة والانسان.
فهو العمق الذى يبعدنا عن السطحية والزيف والخداع لأنه تجربة شعورية جمالية ، نؤمن فيها بما نفعله ونحقق فيها ما نحبه بلا انانية وبلا خداع.

رسالة الله

تسير بنا سفينة الحياة فى طريقها وأشواكها.. ولا ينقذنا من الضياع الا التمسك بمظلة الرحمن حيث الحب والحنان الالهى.

ومع إشراقات الحب الربانى ونسمات الحنان الالهى يفتح باب الطريق الى الله ينير للعبد سبل القرب منه عز وجل.

والدين نبع الحياة، والحياة تستمد أصولها وجذورها وأخلاقياتها من الدين الذى يهدى الى الأقوم ويرشد الى الصلاح والتقوى.

والدين رسالة تدعو كل فرد الى التأمل والتبصر للوقوف على أسرار الحياة وكنوز المعرفة.

والتأمل باب من ابواب الفتح، ويفتح الله سبحانه وتعالى الطريق أمام من يتأمل ويتفكر ويجاهد فى طريقه.

( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وان الله لمع المحسنين)             ( العنكبوت: 69)

والحقيقة الثابته التى تفرض نفسها فى كل زمان ومكان وعبر الأيام والسنين أنه لا إستغناء عن الدين ولا بد أن تنبع سلوكياتنا وتصرفاتنا وأخلاقياتنا من ديننا الحنيف الذى يهدى الى الأقوم، ويرشد الى الخلق القويم والسلوك الحميد بما يرضى الله عز وجل وبما يحقق لنا الحياة الآمنة المطمئنة.

ودائما تعلمنا المحن دروسا هامة فى الحياة.. لا نتركها تمر مرورا سريعا دون أن نتعلم ونتعظ منها فهى رسالة إلينا تصقلنا وتدعونا الى أن نتمثل بسلوكيات أنبياء الله فى معالجتهم المحن التى واجهتهم والتى كانت تعبر عن تمسكهم بالدين وما تتطلبه المحنة من صبر وشكر دائم مما يبعث على الأمل المتجدد فى الحياة، ونزع اليأس من النفس.

والإسلام هو رسالة الله الى الانسان رسالة الله لتوجه الانسان لطبيعة أعدها الله على خلق خاص وفضلها على سواها ممن خلق. ( ولقد كرمنا بنى آدم وحملناهم فى  البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا)

فلقد كان الاسلام نظاما لحياة الانسان، ولذلك نرى أنه يدخل بتوجيههه فى نظافة الانسان، وغذائه وشرابه، فى ملبسه، وفى رسائل تسليته، وفى معاملته لغيره وفى عبادته لربه.

ومن هنا كان الدين لا ينفصل عن المجتمع ولا غنى للمجتمع عن الدين، وإلا اصبحت الدنيا كالغابة، لا هدى، ولا نور نسترشد به ولا هدف نحيا من أجله ونسعى لتحقيقه.

فالدين هو الذى يقوم حياتنا، ويهدينا الى السبيل الأمثل، ويضىء لنا الطريق الذى نسلكه، وهو الذى يحقق لنا السلام مع النفس والآخرين.

والإسلام كرسالة الله فى الوجود.. كان دائما دافعا لاقامة حضارة عظيمة فى كل نواحى الحياة.

وواجبنا كمسلمين هو توضيح رسالة الاسلام.. رسالة الانسانية وبيان ان ما فى ايدينا من كتاب الله وسنة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم صالحا لكل زمان ومكان، وإنه بعث كافة للناس ولم يكن رسولا عاديا، وبعث ليتمم مكارم الأخلاق وهذا ما يميزه عن من سبقه من الرسل.. هذه الأخلاق التى يجب أن تمثل صبرا ووحدة.. واتصال متكاملة من المودة والمحبة والمعرفة مع الشعوب واصحاب الرسالات الأخرى.

الابتلاء والتلطف الالهي

إن الابتلاء حقيقة كبري في حياة الانسان، وهناك الكثيرون ممن يتجاهلون وينكرون حقيقة الابتلاء بل لا يؤمنون بها ويرفضون وجودها قائلين ومعتقدين بأنك إذا كنت انسانا حسنا فستجد الخير واذا كنت سيئا فستجد الشر دون ان يكون هنا للابتلاء من وجود ولا مكان او اثر في حياة الانسان لآنهم في الاصل ينكرون ويرفضون وجوده وهنا يقعون في الخطأ والتضليل

ومهما جادلتهم وأقنعتهم فهم لا يؤمنون.

إن الابتلاء موجود في كل لحظة .. والانسان مبتلي في كل وقت، ومن نعمة الله علي عبده أنه يبتليه.. فان لله سبحانه وتعالي حكمة في ابتلاء عبده ، ومن حب الله للانسان ورضاه عنه ابتلائه له .. فلم يسلم نبي من الأنبياء ولا رسول من الرصل وهم الصفوة المختارة من البشر الا وابتلاه ربه في حياته.. وكلنا نعرف أن الأنبياء والرسل هم أكثر الناس واشدهم ابتلاءا.

قال الله تعالي:

( كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة والينا ترجعون) (الانبياء: 35)

وأن لله عز وجل حكمة وخيرا ونفعا كبيرا في ابتلائه للانسان لا يعرف الانسان هذه الحكمة ولا يدرك هذا الخير بالنفع الا بعد إبتلائه وإحساسه برحمة الله ولطفه معه.. إذن فإن التلطف الالهي موجود وملموس ومحسوس في هذه الحياة الدنيا، والاحساس بالتلطف الالهي هو الذي يفرق بين إنسان وأخر ويميز بين قوي الايمان وضعيف الايمان ويجعل هذا العبد راضيا بهذا الابتلاء او معترضا له حسب درجة إحساسه وإدراكه ومعايشته للتلطف الالهي الذي ينعم به.

ولكن كيف يرضي الانسان بالابتلاء ويشعر بالتلطف الالهي .. هل هذا أمر صعب؟ انه ليس شيئا صعبا ولا أمرا شاقا علي الانسان الذي يسلك طريق الله وينشد الأمن النفسي .. ويطمع في الطمأنينة القلبية ويتطلع الي السعادة النفسية والروحية

فإذا حمد الانسان الله سبحانه وتعالي علي هذا الابتلاء الشديد ، وأدرك علي الفور بايمان قلبي ونفسي وروحي متكامل بأن الله تلطف معه في ذلك الامر ولولا رحمة الله وتلطفه معه لاصبح هذا الابتلاء اشد ولكان قد هلك الانسان معه هلاكا شديدا .. فإن التلطف الالهي والرحمة الربانية حفظت الانسان كثيرا من الهلاك الشديد.

وإبتلاء الله لعبده لا يرتبط بالمحن والشدائد والصعاب فقط بل موجود ايضا في الخير والنعيم .. فالابتلاء في الخير والشر ، في النعمة والنقمة.

فيأيها الانسان الذي اعطاك الله في لحظة كل اسباب النعيم من الغني والخير الوفير والنجاح، والجاه، والسلطان، والشهرة، والتوفيق في حياتك في جميع وجوهها .. انما هو

ابتلاء لك .. انك الان في نعيم مقيم من عند الله.

  • هل ستنسي الله وتفقد ايمانك وصلاحك وتقواك؟

أم انك ستنعم بهذا النعيم الذي وهبه الله لك ذاكرا له فضله العظيم ، شاكرا نعمته وكرمه ولمسات حنانه وتوجه هذا النعيم الذي تحيا فيه الي ما فيه الخير .. فتساعد الفقراء والمحتاجين،وتتذكر الله دائما في كل لحظة ، وتنسب النجاح والجاه والسلطان الذي انت فيه الي الله وليس لنفسك فان المقعد الذي تنعم به الان لم ولن يخلد لاحد ، ولو كان قد خلد لاحد لما وصلت أنت اليه .. فالخلود لله وحده .. والبقاء لله وحده وما عدا ذلك فهو فان ومنتهي فليكن هدفك هو الله فقط ولتعمل لله حتي تحظي بمقعد صدق عند مليك مقتدر.

فتقوي أكثر وتفوز بفوز عظيم أعظم مما انت فيه حيث يرضي الله عنك ويشع عليك بأنوار الايمان والحب الالهي ، والحنان والرضا الرباني الذي لا يماثله اي حب او حنان او عظف او رضا. وهنا تشعر بالسكينة والحب والخير والانسانيةوجميع الاخلاق السامية والقيم النبيلة وهنا تنعم بالسعادة الكاملة .. السعادة النفسية والروحية والقلبية.

إن للابتلاء أهمية كبري في حياة الانسان حيث يصقله ويهذبه ويقومه فيتعلم الانسان الصبر والشكر .. فيعرف كيف يصبر علي المحن والمصائب ، ويؤمن بأن لزاما عليه ان يشكر الله علي نعمته وفضله العظيم فيزداد قربا منه سبحانه وتعالي

ويدرك تلطف الله الدائم به في كل لحظة، وفي اي حال سواء في الخير او الشر.

 

آداب العيد والوصلة مع اللــه

انقضى رمضان ولازالت روحانياته وأجواء صفائه تنبض فى سرائرنا وأنفسنا ، والعبد المؤمن المحب لله هو الذى يسعى للمحافظة على هذا الصفاء الروحى حتى بعد رمضان ويجعل عهده مع الله فى رمضان بهجر المعاصى وتجديد التوبة والتقرب إلى الله بالصوم وقيام الليل وتلاوة القرآن الكريم عهدا قائما متجددا عبرالأيام بحب الله والإيمان القائم على الصراط المستقيم.

 

ويشرق علينا عيد الفطر المبارك ببهجته وفرحته حيث جعله الله عز وجل فى نهاية الشهر الكريم ليفرح الصائمين والطائعين بطاعتهم لله عز وجل.

 

ويعرف يوم عيد الفطر بيوم الجائزة وإنما يسمى العيد عيدا لعودته وهو دعوة من الله تعالى على موائد رحمته وهو إشعار بالفرحة بعد تمام النعمة.

 

فمن أتم صيامه وقيامه، وبذل فيه من العطاء ابتغاء مرضاة الله عز وجل وأعطى من حرمه ووصل من قطعه، وعفا عمن ظلمه فيه قول الحق عز وجل

 

” قد أفلح من تزكى”   ( الأعلى: 14)

 

وذلك هو الفوز العظيم ….

 

وتتجلى فى آداب عيد الفطر المبارك السلوكيات والأخلاق الحميدة منها:

–    الاغتسال والتطيب وارتداء أحسن الثياب

–    كثرة تكبير الله حمدا وشكرا على تمام النعمة حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:-

 

” زينوا أعيادكم بالتكبير”  ( رواه احمد)

 

–    تجديد صلة الأرحام من خلال التهنئة بالعيد والمشاركة الوجدانية بالاحتفال بعيد الفطر

المبارك.

–    غرس المحبة والعمل على إكرام الأيتام، وإطعام الفقراء.. وسد حاجة المحتاجين

–    الحرص على الطاعات التى تعودها العبد فى رمضان.

–    الدعوة إلى التسامح ونبذ الخلافات التى تبعدنا عن طريق الله، والكف عن المشاجرات

والتخلى عن الضغائن والعداوات التى تفسد علينا طاعتنا لله عز وجل.

–         ادخال السرور والبهجة والانشراح الى النفس.

 

 

 

إن مسحة علي شعر يتيم هي عيد، ولمسة وفاء تقدمها لوالديك هي عيد، وكل كلمة

طيبة تؤثر بها وتهديها إلي الأخرين هي عيد.

 

ولكى نحقق الحب والسلام والتعاون على البر والتقوى يجب أن يكون عيد الفطر عيدا للوفاء والإخلاص والصدق والهجرة إلى الله بقلوبنا وأنفسنا وسلوكياتنا وأخلاقياتنا.

 

والعيد الحقيقى للإنسان يوم أن تكون علاقته بالله متميزة، وهدفه فى كل سلوكياته وافعاله وجه الله.

 

فكل يوم يمر عليك دون أن تعصى الله فهو عيد.. وهكذا تتحقق لك الوصلة مع الله.

 

العيد.. رسالة من الله تعلمنا معنى الوصلة

 

جعل الله لنا من أيامنا رسالة دائمة تخاطبنا وتحدثنا، وجعل لنا عيدا يعلمنا معنى الوصلة.. يعلمنا أن الذى يعرض نفسه لنفحات الله يوصل بالله فيكون فى عيد، وفى فوز وفرحة لأنه وصل بالله وكان أهلا لرحمة الله.

 

العيد بما فيه من آداب وسلوكيات وأخلاقيات رسالة من الله إلينا تعلمنا بأننا يوم أن نعد أنفسنا حقا.. نكون أهلا للوصلة، وأهلا للرحمة، وأهلا للنعمة وهذا هو العيد الحقيقى الذى يكسب الإنسان فيه وجوده فيكون هذا عيده، وفوزه، ونجاته.

 

وسبيلنا فى ذلك التأمل فيما أصبحنا عليه، وصرنا إليه، لنقوم حالنا، ونقوم وجودنا إلى ما فيه الخير والفلاح والحق والصلاح مدركين اهمية أن نجاهد أنفسنا فى جميع الاتجاهات سواء فى خارجنا أو داخلنا.

 

فى خارجنا نبحث ونتعلم ونفعل ما هو أحسن وما هو أقوم. وفى داخلنا نقوم ما فيه من صفات لنجعلها كلها فى مقام العبودية لله.

 

فلنعود الى أصولنا وننهل من منابعنا بعقل متفتح وبقلب خاشع ذاكر طاهر حتى تمس المعانى قلوبنا فنخرج مما نحن فيه الى الأفضل والأحسن والأقوم.

 

إن العيد حقا لنا كأمة أودعها الله كتابه وسنة نبيه الكريم هو يوم تحيا قلوبنا.. تنبض بذكر الله.. وتنير عقولنا فنفكر فى آيات الله وآلائه.. وتزكى نفوسنا فلا تأتى بفعل إلا فى طريق الله … وحبا لله.

 

ألسنتنا تذكر الله.. حين تقول حقا وصدقا، واقدامنا تسعى فى طريق الله، وايدينا لا تقدم الا ما هو خير وصالح  ليقربنا الى الله.

 

عيوننا تبصر فتشهد ما فينا من نعمة الله وفضل الله وسر الله … تبصر ما أودع الله فينا من طاقات وإمكانات وما أودع فينا من أسرار ومعنويات وكنوز هي هبة منه سبحانه.

…  فينا نور الحق .. نور البصيرة.. نور الفطرة التي تهدينا إلي ما هو خير وقويم  …

 

آذاننا تسمع القول فتتبع أحسنه .. حقا .. فهى أذن واعية.. تعى الحق.. وتميز الخير.. وتتجه للأحسن والأقوم.

 

تحيا جوارحنا بذكر الله.. بالسعى فى طريق الله. وتنبض سلوكياتنا وأفعالنا في كل لحظة بالشكر والحمد له سبحانه  وتجديد النية له سبحانه بأن تكون قبلتنا إليه ولمرضاته وحده في

كل قول وسلوك وعمل وتصرف وخلق.

 

عيدنا حق يوم نعرف الطريق ونعرف المنهج الذى به نحول كل حياتنا .. وكل قيامنا وكل أفعالنا إلى حياة.. إلى بقاء .. إلى عمل حى دائم.. يمتد من دار الفناء الى دار البقاء.

 

(ووجدوا ما عملوا حاضرا )    ( الكهف : 49)

عيدنا حقا يوم تجتمع القلوب على ذكر الله، وتتآلف قلوبنا فى مقصود واحد وهدف  واحد..  فتكون نواة خير وفلاح وصلاح وإصلاح.. لمجتمعاتنا .. وللبشرية جمعاء.

 

عيدنا حقا يوم نكون مصدر حق وخير.. ونور.. ومصدر معرفة تنير للعقول طريقها.. وتمهد للأفكار اتجاهها.. تصوب المفاهيم البالية .. وتضع أسسا صالحة لفهم مستقيم فى دين الفطرة ودين الحياة.. تنفض عن نفسها غبار التجمد ، والتأخر ، والضعف  .

 

عيدنا حقا يوم يستيقظ الناس من غفلتهم ويفيقوا من كبوتهم ، فيسألوا الله فى أفعالهم وأعمالهم ويتعاملون مع الله فى كل احوالهم.

عيدنا حقا يوم نتخلي عن الصورة والشكل ونتأمل ونتفكر  في جوهر دين الحق الذي يقوم به الميزان.

عيدنا  أن نكن أمة وسطا تدعو للخير، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر.. قياما حقا.. ووجودا صالحا.

وهكذا نكن فى عيد الفطر.. آداة حب وسلام و رحمة تمتد إلى لحظات العمر فيصبح كل يوم نحقق فيه الوصلة مع الله.. هو عيد ينير حياتنا ويضىء عقولنا هدى ونورا وعملا صالحا.